logo

عصمة النبي

عصمة النبي

لقد يتم انتخاب أشخاص من حيث الأنبياء من يتقون أنفسهم من ترغيبات النفس والشيطان، ويتجنبون الذنوب والمعاصي، ويكونون من الخيار الصالحين في قومهم من كل اعتبار. فقد عدّد الكثير من الأنبياء في الأنعام الآية ( 85) وقال: كل من الصالحين. كما جاء في موضع آخر: وَاذْکُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِیْمَ وَإِسْحَاقَ وَیَعْقُوبَ أُوْلِیْ الْأَیْدِیْ وَالْأَبْصَارِ. إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِکْرَی الدَّارِ. وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَیْنَ الْأَخْیَارِ. وَاذْکُرْ إِسْمَاعِیْلَ وَالْیَسَعَ وَذَا الْکِفْلِ وَکُلٌّ مِّنْ الْأَخْیَارِ (سورة ص: الآيات: 38-45-48)

فبسبب هذه التقوى والحذر يصونهم الله تعالى، فماذا حدث ليوسف عليه السلام من امرأة العزيز في مصر يتوضح منه وضوحاً تاماً أنه إذا حدثت طارئة مثل ذلك قبل النبوة لم يعد سهلاً عصمة نفسه، فيرشده الله تعالى في مثل هذه الحالات ببرهان خاص له. وهذا البرهان يجيء من النور الإلهي الذي قد  أعطيه الكل عمومًا. ولكن من سنة الله أن من يقبله ويقدره حق قدره ويستخدمه في حياته يقوي فيه لدرجة أن يتبرق في باطنهم في الحالات الحرجة العصيبة ويخرق ستور الظلمات من الأبصار ويقيمه عل جادة الهداية والرشد، كما قال تعالى: ولقد همت به وهم بها لولا ان رأ برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين. (يوسف:24)

ولا بد أن لا يقع شخص في الخطأ مما ذكره القرآن من خطأ آدم عليه السلام. فلا شك أن القرآن قد استخدم "عصيان" للتفسير عن خطئه. ولكن القرآن نفسه قد صرح أن ذلك العصيان إنما نشأ من النسيان لا من جانب النفس ولم يرتكبه بالإرادة. ويخبرنا القرآن أن الشيطان لما وسوس إليه وأقسم له مراراً وتكراراً أنه من ناصحيه وأن هناك شجرة الخلود ولا يحصل لهما الخلود والملك الذي لا يبلى إلا بطريق الأكل من الشجرة الممنوعة. غلبته العواطف البشرية وعصى ربه ولكنه لم يتمادَ به ولم يلح عليه بل تاب إلى ربه وندم منه ندماً شديداً واستغفر لذنبه، فتاب الله عليه وهدى ومنحه منصب النبوة. فقال: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَی آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِیَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِکَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِیْسَ أَبَی. فَقُلْنَا یَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّکَ وَلِزَوْجِکَ فَلَا یُخْرِجَنَّکُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَی. إِنَّ لَکَ أَلَّا تَجُوعَ فِیْهَا وَلَا تَعْرَی. وَأَنَّکَ لَا تَظْمَأُ فِیْهَا وَلَا تَضْحَی. فَوَسْوَسَ إِلَیْهِ الشَّیْطَانُ قَالَ یَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّکَ عَلَی شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْکٍ لَّا یَبْلَی. فَأَکَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا یَخْصِفَانِ عَلَیْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّوِ وَعَصَی آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَی. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَیْهِ وَهَدَی.(طه: 115-122)

ولم يختلف ما وقع لموسى عليه السلام من قتل قبطي ظالم من ذلك. فإنه لم يقتله عمداً بل كان صدفةً، إنه أعان مظلوماً من قومه والقبطي الظالم تصادم معه بسبب رعونته فوكزه موسى ومن سوء الحظ أن القبطي قضي عليه من فوره: قال تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِیْنَةَ عَلَی حِیْنِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِیْهَا رَجُلَیْنِ یَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِیْعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِیْعَتِهِ عَلَی الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَکَزَهُ مُوسَی فَقَضَی عَلَیْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّیْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِیْنٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیْمُ  (القصص: 15-16)

يقول الأستاذ الإمام:

"إن سيدنا موسى لم يكن يريد أن يقتل القبطي ولم يكن يتوقع مصادفة هذا الحدث. فإذا وقع ذلك صدفةً ندم عليه ندماً شديداً واستغفر لخطئه. ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي. وبما أن الخطأ قد وقع بلا إرادة ثم لم يتأخر عن الاستغفار ولذا غفر له ربه من فوره وبشر بالغفران فإن الله هو الغفور الرحيم: (تدبر القرآن: 5/663)

والحدثان قد وقعا قبل النبوة. ويفيد القرآن أن الأنبياء بعد التشرف بالنبوة يكونون في رصد وإشراف من الملائكة يحرسونهم، ويحصون كل شيء يتعرض له الأنبياء ويرصدون أن قد أبلغوا رسالات ربهم أم لا؟.

فلم يكن بعد كل هذا هناك إمكان أن يقعوا في خطأ وزلة، مهما كانت قليلة وضئيلة. قال تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضَی مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ یَسْلُکُ مِن بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً. لِیَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَیْهِمْ وَأَحْصَی کُلَّ شَیْءٍ عَدَداً.(الجن: 27-28)