الخشوع
الشيء السادس هو الخشوع. فما يتولد في نفس الإنسان من تواضع ومسكنة وعجز بعثه فيه التصور الصحيح لجبروت الرب تعالى وعظمته وجلاله. يعبر به القرآن بالخشوع. وهي كيفية قلبية تخضعه أمام الله كما أنها تولد فيه عواطف الرأفة والرحمة للأناس الآخرين.
وخير إظهار لهذه الكيفية يتم بصورته الأولى في الصلاة وخاصة في صلوات الليل؟ إذا لجأ المؤمن إلى ربه تعالى منقطعًا إليه، ويناجيه وغمر حينه عزلته ذكرًا وشكرًا. وهذا الخشوع قد عبر به القرآن في بعض المقامات الأخرى بأساليب واصفة "المستغفرين بالأسحار (آل عمران: 17) وبـ "الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا (الفرقان:64). وفي آيات الأحزاب المذكورة بطريق وضع الخشوع أولًا في الترتيب متصلاً بذكر الصدقة والصوم قد أشار الله سبحانه إلى ماله من أهمية ،وكأنه عبر الصلاة بحقيقتها. وتبرز حقيقة الخشوع في صلاة التهجد في أتم صورتها. وإشارات القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم كل ذلك تدل على أن هذا الوقت هو وقت الحضور ولم يزل ولا يزال وقتًا محبوبًا أثيرًا عند من يحبون الله ورسوله. يقول الأستاذ الإمام:
"لا آمن ولا أسكن من وقت السحر في الساعات الأربع والعشرين ليوم وليلة، فالسكينة تغمر من الأرض إلى السماء والكل ينامون ولعل الشيطان أيضًا ينام. وإنما يستيقظ فقط الرب تعالى الذي لا ينام أبدًا أو يستيقظ من له حظ يقظ، وهب من النوم وقام في ظلال النجوم وأنت تحس أن نوافذ السماء قد فتحت وتأتي نداءات من السماء الدنيا للتوبة والرحمة. وكيفيات تلك الساعة يعرفها الصالح والطالح والزاهد المرتاض ومدمن الخمر كلاهما. النائمون يرونه خير ساعة للنوم والمستيقظون يرونه أفضل وقت للهَب. والكل مصيب في رأيه. فإن الوقت الذي هو أحب وأفضل للنوم هو أيضًا الوقت الذي أحب فيه الاستيقاظ وأفضل. فإن القربان يقبل لما هو أنفس وأحب. ولذا فإن الله قد خص هذا الوقت لصلاة المقربين. الذين تترك جنوبهم راحة الفراش ولذة النوم في ذلك الوقت والله تعالى بذاته ينزل إلى السماء الدنيا للاستماع إلى دعائهم ومناجاتهم ويقول: هل هناك من تائب أتوب عليه؟ ومن طالب رحمتي أن أحتضنه في وسعة رحمتي؟". (تزكية النفس: 243)
وهذه الكيفية تؤثر على شخصية المؤمن بأسرها في الصورة الثانية أيضًا، فنجعله شفقة كلها وعطفًا كله لأهله وعياله ورحمة كلها لأصدقائه وجيرانه وأحبابه ومصدراً للهدى والرشد للمجتمع كله. وبسبب هؤلاء الرحماء بينهم والحلماء يوجد مدنية صالحة تكون كجنة الله على الأرض التي يطمح إليه كل إنسان سليم الطبيعة ويتمنى له. وقد ذكر القرآن هذه النفوس القدسية:
وَعِبَادُ الرَّحْمٰنِ الَّذِیْنَ یَمْشُوْنَ عَلَی الْاَرْضِ هوْنًا وإذا خَاطَبَهمُ الْجٰهلُوْنَ قَالُوْا: سَلٰمًا، وَالَّذِیْنَ یَبِیْتُوْنَ لِرَبِّهمْ سُجَّدًا وَّقِیَامًا وَالَّذِیْنَ یَقُوْلُوْنَ: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَّنمَ، اِنَّ عَذَابَها کَانَ غَرَامًا، اِنَّها سَآءَ تْ مُسْتَقَرًّا وَّمُقَامًا... وإذا مَرُّوْا بِاللَّغْوِ مَرُّوْا کِرَامًا. (الفرقان 73۔72)
