ضرورة نبي
إن الإنسان قد أعطي صلاحية الاستنباط بطريق التمثيل والاستقراء، يستخرج الكليات من الجزئيات ثم يحكم عليها. ويتوصل من البديهيات إلى النظريات ويقيس الغير المحسوس على المحسوس. فكذلك أعطي أيضًا صلاحية تمييز الخير من الشر والصلاح من الفساد، وأكبر من ذلك فإنه ليس خاليًا من شعور بالخالق جل مجده ومعرفة الرب وعدله. كما قد سُقنا هذه الحقائق عن الإنسان من قبل. إذن فلا حاجة إلى نبي ورسول حتى يوقف الإنسان على هذه الأشياء، لأنها وديعة في فطرة الإنسان من أول يوم من خلقته كجزء لا ينفك منها. ويتوضح من آية القرآن التي ذكرناها أن ضرورة النبوة تكون بوجهين: أحدهما لإتمام الهداية أي لتذكير الإنسان بما يستوعبه منذ الأزل وبما أودع في فطرته من جديد، وتعيين التفصيلات اللازمة لها للإنسان كما قال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً یَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَیْنَا إِلَیْهِمْ فِعْلَ الْخَیْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِیْتَاء الزَّکَاةِ وَکَانُوا لَنَا عَابِدِیْنَ.(الأنبياء:73)
وثانيًا لإتمام الحجة. ويعني إيقاظ الإنسان من الغفلة وتقديم شهادة أخرى من الأنبياء وبالأخص من الرُّسل بعد شهادة العلم والعقل. توضح الحق لدرجة لا يبقى معها عذر لأحد. كما قال تعالى: یَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِّنکُمْ یَقُصُّونَ عَلَیْکُمْ آیَاتِیْ وَیُنذِرُونَکُمْ لِقَاء یَوْمِکُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَی أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَیَاةُ الدُّنْیَا وَشَهِدُواْ عَلَی أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ کَانُواْ کَافِرِیْنَ. ذَلِکَ أَن لَّمْ یَکُن رَّبُّکَ مُهْلِکَ الْقُرَی بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ.(الأنعام: 130-131)
