logo

اتباع الأوهام

اتباع الظنون والأوهام

الأمر التاسع هو أن لا يتبع أحد الظن ولا يقف ما ليس له به علم. وقد حذرنا القرآن أن لا نستهين بهذا التوجيه. لأن البصر والفؤاد والعقل والسمع ستكون مسؤولة أمام الله يوماً. وذلك يعني أن لا يتسلم  مسلم للظن والتخمين ولا يلفق مزاعم وافتراءات وبث الأكاذيب ضد أحد بدون تحقيق وتحرّ عن ماهية الأمر. كما يقتضي هذا الأمر أن لا يتبين وجهة نظر وبينة على القتل والقال والإشاعات والظنون والأوهام، والقياسات عن صفات الله سبحانه وتعليماته. فقد جاء بعض هذه الأشياء بصراحة تامة في سورة الحجرات: یٰٓاَیُّهَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْٓا، اِنْ جَآءَ کُمْ فَاسِقٌ م بِنَبَاٍ فَتَبَیَّنُوْٓا اَنْ تُصِیْبُوْا قَوْمًا م بِجَهالَة فَتُصْبِحُوْا عَلٰی مَا فَعَلْتُمْ نٰدِمِیْنَ (الحجرات: 6) وقال: یٰٓاَیُّها الَّذِیْنَ اٰمَنُوا، اجْتَنِبُوْا کَثِیْرًا مِّنَ الظَّنِّ، اِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ اِثْمٌ، وَّلَا تَجَسَّسُوْا. (الحجرات:12)


الإقدام دون تحقيق

فقد ذكر في الآية المذكورة أعلاه أولًا إذا جاءكم فاسق بنبأ هام فلا ينبغي الإقدام الفعلي بناءً على خبره بغير تحقيق وتحر لنفس الواقع. لئلا تُتخذ خطوة في نوبة حماس ثم تندم عليها لاحقاً. ويُستنبط منه أنه إذا كان الذي جاء بخبر مجهولاً، لايُعرف نفسه ولا ثقاهته يجب تحقيقه بالتأكيد، وانطلاقاً منه قام محدثونا بتحقيق أحوال الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً. وإذا لم يجدوا نجاحًا في الفحص عن راو جعلوه مجهولًا وردوا روايته.

سوء الظن

وقد ذكر ثانياً النهي عن إكثار الظن فان بعض الظن إثم وأوضح ذلك الأستاذ الإمام بقوله:

"يضطر الإنسان إلى الاتصال بالكثير من الناس في حياته وبديهي أن يتولد عنده عنهم ظن خير أو سوء الظن. فهذا الظن يصل المرء أو يقطعه عنه فهذا إذن أساس الوصل والفصل في المجتمع الإنساني. فهذه الأهمية للظن تتقاضى أن لا يكون المرء غير مبالٍ في قبول الظن أو رده، بل أن يكون حذراً متيقظاً. فقد أرشد الإسلام أهل الإيمان في ذلك أن يكون المسلم ظاناً بالخير تجاه المسلم الآخر حتى يثبت أنه لا يصلح لذلك. وحسن الظن هذا مما يتقاضاه الأخوة الإيمانية بالتأكيد والتي بنى الإسلام اجتماعه عليه، وقد بيناه من قبل، وعلى عكس من ذلك إذا كان هناك شخص يتعود على الإكثار من الظن خيراً أو شراً ثم يجمعه جمعًا فصاحب هذه الظنون رطباً أو يابساً مثله كمثل صائد أعماه شوقه اصطياد ثعبان مع السمكة. وظاهر أن صائدًا  كهذا سيضيع حياته يوماً ما. فالقرآن حذر المسلمين من هذا الخطر أن لا يقفوا كثيراً من الظن لأن بعض الظن إثم ويوصل الإنسان إلى المهلكة. فاستنبط من ذلك تعليم أن لا يتعرض المؤمن لسوء الظن الكثير بل يظن بإخوانه المؤمنين ظناً خيراً. وإذا صدر من أحد شيء مما يبعث على الظن السوء ينبغي له أن يوجهه توجيهاً حسناً ما أمكن ذلك. وإذا لم يمكن ذلك يجوز ظن السوء. وأن يخطئ أحد في ظن الخير في حق أحد لهو أهون من أن يسيء الظن ممن يستحق الظن الخير".(تدبر القرآن 7/509)

التجسس

وثلّثَ القرآن أن لا تجسسوا. يقول الأستاذ الإمام في تفسير ذلك:

"الحظر هنا على الجاسوسية التي تكون لغرض الشر. أي يتجسس المرء لكي يطلع على خفايا الحياة الشخصية لشخص آخر، وأسرار بيته وما يصدر من أخطاء وزلات. يبعثه على ذلك إما حسد لكي يشفي بغلة صدره بنيل منقصة في حياة الخصم. وإما بغض وعناد يحرضانه للاطلاع على جانب الضعف فيه كي يشوه صورته عندما يحتاج إليه. والتشهير قد أصبح حرفة مستقلة في العالم المعاصر والذي ينميها كل يوم وسائل الإعلام المعاصرة الراقية. فلم يزل بعض الصحفيين يمسي ويصبح في البحث عن أية فضيحة لآخر، ويُعد منهم أكثر نجاحاً ودهاء صحفي فاز بوسمة عار ذاتية لشخصية بارزة فيكب القارؤن والدارسون على صحيفته أو جريدته إكباباً زائداً.

والظاهر أن التجسس كهذا ينافي الأخوة ويعارض المواساة التي يتأسس عليها المجتمع الإسلامي. ولذا حظر ذلك على المؤمنين. أما التجسس الذي ينبئ عن اطلاع أحوال الأخ المسلم كي يساعد أخاه المسلم الآخر في أحواله الحرحة ومشكلاته، أو الذي تقوم به حكومة إسلامية حتى تكون على بصيرة تامة ووقوف كامل على أحوال رعاياها فهذا ما لا تتعرض له الآية هنا، وليس هو بممنوع. بل هو من عمل الخير لكل جار كريم أن يقف على حالات ومشاكل جيرانه كي يساعدهم في حالاتهم الحرجة. وللحكومة ليس هذا عمل خير بل واجب عليها أن تهتم بالاطلاع على أحوال الرعية السارة والضارة كليهما لكي تفي بمسؤولياتها على درجة مطلوبة."(تدبر القرآن7 /  510)