logo

حقيقة النبوة

حقيقة النبوة

وما هي النبوة؟ إنها انتخاب شخص للخطاب الإلهي. وذلك يعني أنه إذا ما تم انتخاب شخص ما من بين عباده لتشرفه بهذا المنصب الجليل يكلمه الله. وأخبر القرآن أن الإنسان قد تشرف به دائمًا بأي طريقتين:

عبر المخاطبة العامة التي تتم خلف الستار يسمع فيها العبد صوتًا متكلمًا بدون رؤيته كما قد وقع لموسى عليه السلام إذ دخل الوادي الأيمن من طور فوجئ بصوت بدون رؤيته للمتكلم.(القصص: 29-30)

وثانيًا عبرَ الوحي- والوحي يستعمل لإلقاء قول أو كلام في القلب- وهذا الإيحاء يتم بدوره بصورتين أولاً أن يلقي الله مباشرةً كلامه في قلب نبيه، وثانياً بإرسال ملك رسول إليه وهو يُوحي إليه، وذلك يتم في المنام وفي اليقظة كليهما. وقد تمثل الوحي في بعض الأوقات في الرؤية. وجاءت أشكال وصور الوحي في روايات كيفية نزول الوحي إليه . يُعلم منها أن أشد صورتها هي كدقة الجرس حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعرق في البرد الشديد كما جاء في البخاري رقم 2 وفي مسلم رقم 6059) وماهي ماهيته وكنهه بعد هذا، إن فهمه خارج من الحدود العلمية للإنسان، كما قد قال تعالى بنفسه: وَیَسْأَلُونَکَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّیْ وَمَا أُوتِیْتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِیْلاً.(بني إسرائيل:85)

وبما أن هذا الوحي يأتي إلى الأنبياء من غير أي تمنى ورغبة منهم، وينبعث من الجانب الالوهي للنفس، ولذا فإنهم لا يلحقهم أي تردد في صحة الوحي. ولكن لأجل اطمئنان قلوبهم إن الله عز وجل يقوم بإراءتهم مشاهد خاصةً. فما جاء من تذكرة إسرائه عليه السلام من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (بني إسرائيل:1) هو مثل كبير لذلك. وربما تقع المشاهد كهذه من رؤية عين مفتوحة كما جاء ذلك في القرآن: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرَی. عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَی . عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَی . إِذْ یَغْشَی السِّدْرَةَ مَا یَغْشَی. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَی. لَقَدْ رَأَی مِنْ آیَاتِ رَبِّهِ الْکُبْرَی.(النجم:13-18)

ولقد جاء ذكر الخطاب الإلهي للأنبياء عليهم السلام وصوره المختلفة جماعياً في موضع واحد فقال: وَمَا کَانَ لِبَشَرٍ أَن یُکَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْیْاً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ یُرْسِلَ رَسُولاً فَیُوحِیَ بِإِذْنِهِ مَا یَشَاءُ إِنَّهُ عَلِیٌّ حَکِیْمٌ.(الشورى: 51)

فالآية واضحة صريحة في أن هذا الإلقاء في قلب نبي لا يتم في إلقاء فكرة وإيحاء خيال فقط، بل يكون في صورة إلقاء كلام يسمعه ويعيه ويحفظه. وفي عامة الأحوال ينتخب له العبارات والأساليب المتواجدة في خزانة علم النبي من قبل، حتى لا يكون له شيئاً أجنبياً عسيراً للفهم، ونتيجةً لرعاية ملابسات الأنبياء وأحوالهم ووقائهم ولرعاية استعدادهم وصلاحيتهم كذلك، فقد يقع فرق كبير وبون بعيد في وحيهم لفظاً ومعنىً.