بشرية النبي
يكون النبي بشرًا. فهو يعيش كإنسان عادي ويمشي في الأرض يهب وينام، يتزوج ويلد ويودع الأرض بسبب الموت كما يطرأ كل على الناس أجمعين. ولم يكن أحد من الأنبياء إلهًا أو رمزاً للإله أو شبه إله أو ملكًا. فصرح القرآن في كثير من المواضع بأنه لا فرق بينهم وبين الأناس العاديين. وقد نقل القرآن مطالبات عديدة لمخاطبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إن كنت نبيًّا ففجر لنا من الأرض ينبوعًا. أو يكون لك بيت من زخرف وذهب أو تفجر الأنهار، أو تجيء بقوافل الربيع في صحارى لنا قاحلة أو تنبت لنا جنات من أعناب ونخيل وغيرها. أو تسقط علينا السماء كسفًا، أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا، أو ترقى في السماء وتنزل علينا كتابًا نقرؤه. وما كان شيء من ذلك محالًا على الله تعالى.
فإن شاء الله لفعل ذلك كله لرسوله. ولكنه صرح أن قُل لهم إنك بشر رسول ولست فوق بشر فهذه المطالبات كلها جاءت في غير موضعها. قال: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّیْ هَلْ کُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً. وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن یُؤْمِنُواْ إِذْ جَاء هُمُ الْهُدَی إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَّسُولاً. قُل لَّوْ کَانَ فِیْ الأَرْضِ مَلآئِکَةٌ یَمْشُونَ مُطْمَئِنِّیْنَ لَنَزَّلْنَا عَلَیْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَکاً رَّسُولاً (بني إسرائيل: 93-95)
ولكن لا يعني ذلك أنهم يكونون كعامة البشر من حيث العلم والأخلاق والعمل والذهن وباعتبار روحانيتهم. كلا، لا إن دراسة أحوالهم وسوانحهم تدل على أنهم يكونون أبرعهم خَلقاً وأروعهم خُلقاً وخيرهم ثمرة وأكملهم إنسانًا. وقد قال القرآن إنهم إذا شاء ربهم أوتوا العلم والحكم من لدنه كما جاء في سيدنا يحيى: یَا یَحْیَی خُذِ الْکِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَیْنَاهُ الْحُکْمَ صَبِیّاً. وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَکَاةً وَکَانَ تَقِیّاً. وَبَرّاً بِوَالِدَیْهِ وَلَمْ یَکُن جَبَّاراً عَصِیّاً.(مريم: 12-14)
كما قال تعالى في موسى عليه السلام: ولما بلغ أشده واستوي آتيناه حكما وعلماً وكذلك نجزي المحسنين.(القصص: 14)
ثم لم يتوقف الأمر على ذلك بل إنهم يكونون على درجة أتم وأكمل للبصيرة البشرية المفطور عليها الإنسان. فهم يُبقون حدتها ويحمونها من كل طوفان يثيره النفس البشري. وكانوا قبل التشرف بالوحي على أزكى قلب وأسلم فطرة والحق يبرهن عليهم إلى حد أكبر، وهذه الصفة الخاصة اتستمت في القرآن بوصف "بينة" وتشهد وقائع وأحداث الأنبياء أنهم كانوا يشهدون الوحي الإلهي كشاهد على ضيائهم الباطني هذا وبصيرتهم الفذة، فقد جاء في نوح عليه السلام أنه قال: قَالَ یَا قَوْمِ أَرَأَیْتُمْ إِن کُنتُ عَلَی بَیِّنَةٍ مِّن رَّبِّیَ وَآتَانِیْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّیَتْ عَلَیْکُمْ أَنُلْزِمُکُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا کَارِهُونَ.(هود: 28)
وجاء في سيدنا صالح: قَالَ یَا قَوْمِ أَرَأَیْتُمْ إِن کُنتُ عَلَی بَیِّنَةً مِّن رَّبِّیْ وَآتَانِیْ مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن یَنصُرُنِیْ مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَیْتُهُ فَمَا تَزِیْدُونَنِیْ غَیْرَ تَخْسِیْرٍ.(هود:63)
وفي شعيب عليه السلام: قَالَ یَٰقَوْمِ اَرئَ یْتُمْ إِن کُنتُ عَلٰی بَیِّنَةٍ مِّن رَّبِّیْ وَرَزَقَنِیْ مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِیْدُ أَنْ أُخَالِفَکُمْ إِلَی مَا أَنْهَاکُمْ عَنْهُ (هود:88)
