المباحث البنيوية
وَنَفْسٍ وَّمَا سَوّٰىهَا فَاَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوٰىهَا قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكّٰىهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسّٰـىهَا (الشمس: 7-10)
بأي طريق يعرف ما هو الخير وما هو الشر؟ هذا سؤال بنيوي لفلسفة الأخلاق. والقرآن قد أوضح إيضاحًا تامًّا في الآيات المذكورة أعلاه أن الله تعالى كما أنه قد منح الإنسان الأبصار للبصر، والأسماع والآذان للسمع فقد أعطاه أيضًا حساً أخلاقيًّا يميز به بين الخير والشر. أنه ليس فقط وجودًا حيوانيًّا وعقليًّا بل إنه وجود أخلاقي أيضًا. وذلك يعني أن امتياز الخير من الشر، وكون الخير خيرًا والشر شرًّا قد أُلهم في نفسه وقلبه مع أول خلقه، وقد وضحت هذه الحقيقة في عبارات: إنا هديناه السبيل إما شاكرًا أو كفورًا (الدهر:3). وهديناه النجدين (البلد: 10)
وهذه الميزة هي حقيقة كونية وإحساس عام شامل. ولذا إذا أذنب أفسد الناس وأشرسهم حاول إخفاءه في المرحلة الأولى. فإذا ما قتل أحد
ابني آدم قابيل أخاه هابيل سعى ليواري سوءة أخيه فالظاهر أن الباعث على ذلك كان هو إحساس الذنب لا غير.
والخير كذلك فإن الإنسان يحبه ويكرمه وإذا ما يقوم بإقامة نظام اجتماعي له فإنه يسعى سعيًا لازمًا أن يقيم هناك نظامًا للحق والعدل أيضًا فيه. وذاك ثبوت قاطع في كون امتياز الخير والشر عاطفة فطرية طبيعية.
ولا شك أن الإنسان يختلق أعذارًا ومبررات في حق الشر ولكنه يعرف تمامًا حين يختلقها أن تلك المبررات تخالف طبيعته وتعارض فطرته، لأنه إذا أصابه ذاك السوء نفسه من قبل الآخر لاحتج عليه واعترض له بدون أي تردد. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: الخير هو حسن الخلق والشر ما يريبك ولا ترضَ أن يعرفه الآخرون. (روي معناه مسلم رقم 6516) وهذا الجانب للنفس الإنساني هو الذي عبر به القرآن بالنفس اللوامة (القيامة:2) وصرح. بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقي معاذيره (القيامة: 14-15)
ولكن قد تكون ثمة خلافات كثيرة في التعبير بهذا الإلهام وفق الأشخاص والحالات والظروف. ومن عناية الله الكبرى أنه لم يترك للخلاف مكانًا فقد أوضح الخير من الشر إيضاحًا تامًّا من خلال الأنبياء والرسل، حيث كان مظنة الخلاف الكبير. وهدى الأنبياء ذلك قد احتفظ به القرآن الكريم إلى يوم القيامة. فما يجده الإنسان في داخله يصدقه الهدي الإلهي، كما يصفه ويشهد له كل من الوجدان البشري وعقله، وقوانين الحياة ونواميس الفطرة وعلمه المستنبط من أحوال الوجود والعقل البشري، فتعين فضائل الأخلاق ورذائله بنتيجة ذلك بقطعية كاملة.
وقد جاء ذلك في الأحاديث كمثل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا على كنفي الصراط زوران لهما أبواب مفتحة، على الأبواب ستور، وداع يدعوا على رأس الصراط وداع يدعو فوقه إلى دار السلام ويهدي والله من يشاء إلى صراط مستقيم، والأبواب التي على كنفي الصراط حدود الله فلا يقع أحد في حدود الله، حتى يكشف الستر والذي يدعو من فوقه واعظ ربه وداعي على رأس الصراط هو القرآن. (رواه الترمذي رقم الحديث 2859 وأحمد رقم 17182) إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيرًا(بني إسرائيل:9)
السؤال الثاني ما هو الباعث الأصلي للإنسان والحافز على تزكية خلقه؟ فقد أجاب القرآن على هذا التساؤل في الآية المذكورة أن ذلك الباعث والحافز هو إحساس الإنسان بناءً على كونه ملهمًا بالخير والشر، إن نتائج الخير والشر لن تكون متساوية في حقه. فهو يشعر أن خيرية الخير وشرية الشر تتقاضى لنفس وجودها أن تأتي ثمارها اعتبارًا بها، وتتضح له تلك الحقيقة بذلك أنه ليس حرًّا طليقًا وأنه سوف يُجزى جزاءه بالتأكيد حسب أعماله، فذلك الذي عبر به القرآن بقوله "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" ويبدو منه أنه يتولد في الإنسان شعور من هنا بخوف وطمع. وبيقئه على أن يزكي أخلاقه على الرغم من أهوائه وميوله الطبيعية. ثم إذا هو آمن بالله تعلق ذاك الشعور بالله ويتطلب منه القرآن أن يكون الآن حبه لله وابتغاء مرضاته وتقواه من الله عالم الغيب والشهادة المطلع على سره وعلنه، والعالم بما في الصدور من تحرك أيما تحرك وأية نبضة للقلب، هو الباعث الحقيقي على التخلق بأخلاقه وعلى الاجتناب من رذائل الأخلاق. وجاء ذلك في القرآن أكثر من مرة فقد قال عند نقطة التأكيد على أداء الحقوق:. فَاٰتِ ذَا الْقُرْبٰى حَقَّهٗ وَالْمِسْكِيْنَ وَابْنَ السَّبِيْلِ ۭ ذٰلِكَ خَيْرٌ لِّــلَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ وَجْهَ اللّٰهِ ۡ وَاُولٰۗىِٕكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ (الروم: 38) والمثل الأعلى لمكارم الأخلاق هم الأنبياء فقد قال القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم فَاٰتِ ذَا الْقُرْبٰى حَقَّهٗ وَالْمِسْكِيْنَ وَابْنَ السَّبِيْلِ ۭ ذٰلِكَ خَيْرٌ لِّــلَّذِيْنَ يُرِيْدُوْنَ وَجْهَ اللّٰهِ ۡ وَاُولٰۗىِٕكَ هُمُ الْمُفْلِحُوْنَ الليل18-20) ومن المسلمات أن الإرادة الحسنى هي بناء العمل الصالح وقد قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوبه البليغ حين قال: إنما الأعمال بالنيات (رواه البخاري رقم الحديث:1).
فباعث النية يضع عمل الإنسان صالحًا زكيًّا لدرجة نهائية. فبعد النية الصحيحة الخالصة لن يأتي بعمل فخرًا ورياء وسمعة وإن كان في درجة ما فإنه يسعى جاهدًا لتطهيره من تلك الشوائب عاجلًا وآجلًا.
ويشرح بيان القرآن هذا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أول الناس يقضى يوم القيامة رجل الشهيد فأتي به فعرفه نعمة فعرفها قال فما عملك فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت. ولكنك قاتلت لأن يقال جريئي فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم القرآن وعلَّمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملك فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل، وأمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه المال من أصناف المال كله. فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملك فيها؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيما إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار" (رواه مسلم رقم الحديث: 4223)
والسؤال الثالث لفلسفة الأخلاق أن ما هو الهدف الذي يرمي إليه هذا السعي والعمل وما هي غايته المقصودة؟ وطبقًا هناك تتوفر إجابات مختلفة فقالت طائفة هو الفرحة والسرور، وقالت ثانية هو الكمال وقالت أخرى هو أداء الفرض للفرض فقط. والآيات من سورة الشمس توضح ذلك أيضًا ،فإن المقصود الذي يرمي إليه القرآن هو التزكية والتي تنتج منها حصول المُلك الخالد للإنسان من الله سبحانه. وهي تشتمل تلقائيًّا كافة الإجابات التي جاء بها علماء الأخلاق اذا تدبرتها بنظرة ثاقبة. فإن تزكية العلم والعمل هو التي توصل الإنسان إلى الكمال والبلوغ وبما يحصل له الفرحة الواقعية وبها يتم أداء الفرض فقط، إن صح هذا التعبير، ويحصل للإنسان ثمرته إذا تاب ورجع إلى ربه ويبشر به أي يكون راضيًا مرضيًّا. يٰٓاَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَىِٕنَّةُ فارْجِعِيْٓ اِلٰى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِيْ فِيْ عِبٰدِيْ وَادْخُلِيْ جَنَّتِيْ (الفجر:27-30) ويقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسير ذلك:
"إنها كلمة تحسين وتبريك وتهنئة من الله تعالى. فإنه سوف يخاطبهم قائلًا ومهنئًا لهم. مبارك لكم إنكم نجحتم في الامتحان الذي ابتلاكم فيه ربكم فارجعوا إلى ربكم ناجحين راضين بربكم في كافة الحالات من السراء والضراء ومطمئنين وسعدتم بكونكم مرضين عند الله ،فكما أنتم لم تشكُّوا بربكم في أية مرحلة كذلكم لم يجدكم ربكم أيضًا أقل من معياره فأنتم راضون به وهو راض بكم" (تدبر القرآن 9/362)
