logo

برالوالدين

البر بالوالدين

والأمر الثاني هو معاملة الوالدين بالحسنى والبر بهما وهذا التوجيه نجده موجودًا في كافة الصحف السماوية. والقرآن الكريم قد أعطى توجيهات كثيرة في صدد ذلك تراها في لقمان (14-15) والعنكبوت (8) والأحقاف (15) ولاشك في أن الإنسان يجب عليه تقديم واجبه والتزامه نحو أبيه على أي التزام آخر ويجب أن يوفى به بعد عبادة الله. لأن الأم والأب هما سبب مقدمه إلى الدنيا وهما اللذان قاما برعايته وتنشئته. والأم يجب تقديم حقها كما جاء في سورة لقمان حين قال: وَوَصَّيْنَا الْاِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۚ حَمَلَتْهُ اُمُّهٗ وَهْنًا عَلٰي وَهْنٍ وَّفِصٰلُهٗ فِيْ عَامَيْنِ اَنِ اشْكُرْ لِيْ وَلِوَالِدَيْكَ   ۭ اِلَيَّ الْمَصِيْرُ (لقمان:14)

نعم. لا تقل مشقة الأب أيضًا في تنشئة وتربية الأولاد، ولكن المشقة التي تحملها الأم في مختلف مراحل الحمل والولادة والرضاعة ليس لها شريك ولا سهيم، وبناءً على ذلك قد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الأم زائدًا لدرجات ثلاث مقارنًا بالأب.(رواه البخاري رقم الحديث 5971 ومسلم رقم: 6501) على أنه بغض النظر عن هذا الفارق قد نصح الله سبحانه لكليهما أنه يجب على الإنسان أن يشكر لهما فوق كل شيء بعد الله تعالى. والشكر لا يؤدى فقط لسانًا بل يتم أولًا من خلال بعض المقتضيات اللازمة، التي بيَّنها الله في الآيات من بني إسرائيل وهي كما يأتي: أولاً يجب أن يقدم المرء لوالديه آيات الاحترام  في المظهر والمخبر وأن لا يحمل في قلبه لهما أية شبهة بغض وكراهية، وأن لا يتأفف في وجههما بل يعاملهما بحب وحنان، وإكرام ولين وسعادة وطاعة، وأن يوفر لهما أسباب الراحة في حالات الضعف والشيخوخة وأن يكون لهما موضع تسلية وطمأنينة وتلطف.

ويقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسير هدف أشارت إليه الآيات بطريق ذكر الشيخوخة والهرم:

"فهذا هو الزمان الذي أخذ الناس يضعون الوالدين موضع الثقل وينسون قرابينهم وتضحياتهم التي كانا قد قاما بها في زمن طفولتهم وأيام صباهم. والولد السعيد يتذكر أنه كما كان قد ألقي في حضانة أبويه كمثل مضغة لحم، فقد تسلما إليه اليوم في صورة هيكل من عظام، فيجب علي أن أحسن إليهما مثل إحسانهما إليه. ولكن لا يذكر ذلك كل شخص فهذا تذكير لذلك. وإلا فالوالدان يحق لهما بذل كل محبة وكل إكرام وتبجيل وإحسان في كل دور من أدوار الحياة.  (تدبر القرآن:4/496).

والأمر الثاني الذي جاءت به الآيات أن على المرء أن يمثل لوالديه ويطيعهما طاعة نابعة من عواطف المحبة والشفقة عليهما والتي قد استخدم القرآن لها تعبيرًا واخفض لهما جناح الذل من الرحمة "تلميحًا" على أنه كما يبسط الطائر جناحيه ليضم فراخه، فكان الوالدان أيضًا يحميان أطفالهما من صروف الزمان فعلى الأولاد أيضا أن يحموهما مثل ذلك ،لأنه يمكن أداء حق الوالدين وجواب شفقتهما به إن أمكن. فبدون ذلك لا يكون قادرًا على أداء حق والديه أداءً كاملًا.

وثلّث الله تعالى بإيجاب الدعاء المتواصل للوالدين إقرارًا منه بفضلهما حين كان يتلقى منهما صنوف الحب والعطف والرعاية فعليه الآن أن يدعو الله ويبتهل إليه، لكي يغمرهما بلطائف بركاته التي تعينهما على ضعف الهرم والشيخوخة وهشاشة الكبر. فهذا الدعاء هو حق الآباء على الأبناء. وتذكير لهما بتأدية ذلك الحق. كما هو محرض على مشاعر الحب والحنان التي طلبها الله تعالى في صدد التعامل الحسن مع الوالدين. وقد حدد الله سبحانه حدود ذلك التعامل الحسن في سورة لقمان. ولكن ذلك موضوع للتشريعات ولذا سوف ننبه عليه فيما يأتي من الأبواب تحت عنوان "قانون العشرة".

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كالآتي:

فقد روى ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى فقال: الصلاة لوقتها فقلت ثم ماذا؟ فقال: السلوك الحسن مع الوالدين: (رواه البخاري رقم 527 ومسلم رقم: 252)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف قيل. من؟ يا رسول الله؟ قال من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة (رواه مسلم رقم الحديث:6510)

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال أحي والداك؟ قال: نعم قال: ففيهما فجاهد (رواه البخاري رقم الحديث:3004)

عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال أبواي قال: أذنا لك؟ قال لا، قال: ارجع إليهما فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما.( رواه أبو داود رقم الحديث: 2530)

وعن معاوية عن أبيه جاهمة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك فقال هل لك من أم؟ قال: فالزمها فإن الجنة تحت رجليها. (رواه النسائي: 3106)

وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أن مرضاة الرب في رضا الوالد وسخطه في سخط الوالد. (رواه الترمذي رقم الحديث: 1899)

ويقول أبو الدرداء: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الأب أوسط أبواب الجنة فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه (رواه الترمذي رقم الحديث: 1899)

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وأبي يريد أن يحتاج مالي فقال: أنت ومالك لوالدك. إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم: (رواه أبو داود رقم الحديث: 3530).

أما علاقة المرء بالناس الآخرين فيجب أن يتخذ منهم موقفًا مشابهًا متناسبًا بدرجة لدرجة فقد صرح القرآن ذلك في موضع آخر بصراحة كاملة فقال: وَاعْبُدُوا اللّٰهَ وَلَا تُشْرِكُوْا بِهٖ شَـيْـــــًٔـا وَّبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا وَّبِذِي الْقُرْبٰى وَالْيَتٰمٰي وَالْمَسٰكِيْنِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبٰى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَـنْۢبِ وَابْنِ السَّبِيْلِ ۙ وَمَا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ ۭ اِنَّ اللّٰهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْــتَالًا فَخُــوْرَۨا  (النساء: 36)

الأعزاء والأقرباء

ويتضح من الآية الكريمة أن حق الأعزاء والأقرباء في هذه العلاقات القريبة يلي حق الوالدين. ويطلق على الإحسان إليهم صلة الرحم. وقد يكون وجه العلاقات بين الناس أحدًا من أسباب المعاصرة، الزمالة في الدرس، الجوار والصحابة بالجنب والاشتراك في المهنة والمزاج أو المواطنة. والإخاء فوق كل لأن علاقة الإخاء تأتي باشتراك رحم الأم. فهذه العقدة قد ربطتها الطبيعة نفسها ولا يليق ببشر أن يكسرها. فالمحافظة على حقوق الأرحام تتقدم على الكل وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِيْ تَسَاۗءَلُوْنَ بِهٖ وَالْاَرْحَامَ ۭ اِنَّ اللّٰهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبًا (النساء: 1)

وتتضح أهمية الرحم من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا. فما رواه أبو هريرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: الرحم من الرحمن فقد قال الله له: من وصلك وصلته معي ومن قطعك قطعته مني. (رواه البخاري رقم الحديث: 5988) وفي مقام آخر قد اختار الله سبحانه تعبيرًا أدق وألطف لبيان مكانة الرحم فقد روي عن أبي هريرة نفسه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى يارب. قال فهو لك.(رواه البخاري: رقم 5987 ومسلم: رقم 6518)

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم ماله ماله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرب ماله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتوتي الزكاة وتصل الرحم.(رواه البخاري رقم الحديث: 5983 ومسلم رقم: 104)

وقال جبير بن مطعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة قاطع رحم.(رواه البخاري رقم:5984 ومسلم 6520 و 6521)

وعن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سره أن يوسع في رزقه ويبارك في عمره فليصل الرحم. (رواه البخاري رقم الحديث: 5991)

اليتامى والمساكين

وأدخل اليتامى والمساكين بعد الأعزاء في زمرة من يجب صلة الرحم بهم، كأنهم وضعوا موضع الأقرباء. ويجب أن ينظر كل مسلم إليهم بهذه النظرة ويخدمهم ويراعيهم بهذه العاطفة السخية. والخطوة الأولى للوصول إلى نصب العين والخيرة والرشد والصلاح عند القرآن هو فك الرقبة وتلبية حاجات البائسين واليتامى والمساكين كما قال: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  وَمَآ اَدْرٰىكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ  اَوْ اِطْعٰمٌ فِيْ يَوْمٍ ذِيْ مَسْغَبَةٍ  يَّـتِيْمًـا ذَا مَقْرَبَةٍ اَوْ مِسْكِيْنًا ذَا مَتْرَبَةٍ  (البلد:11-16)

والأسلوب الذي اختارته سورة الفجر في بيان هذا الحكم ينبئ عن أنه ليس الهدف هو مد يد العون والمساعدة إلى اليتامى والمساكين بدرجة ما، بل الهدف الأصلي الذي يرمي إليه القرآن هو إكرام اليتامى وتشريفهم في المجتمع فقال: كلا، بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين (الفجر: 17-18)

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قرب منزلة كافل اليتيم يوم القيامة فقال:

" أنا وكافل اليتيم يكونان كهاتين في الجنة وشبك بين أصابعه. (رواه البخاري رقم: 6005 ومسلم رقم الحديث: 7769)

حقوق الجار والمسافر والعبد

ثم ذكر حقوق الجار والمسافر والعبد وقد أمر لهم بحسن التعامل والسلوك الحسن معهم. أما العبودية فقد انتهت اليوم بسبب تغيير الحضارة والتمدن، ولكن بقي حكم المسافر لأنه ربما يحتاج مع ما حصل من رقي التمدن وتقدم الحضارة في أية صورة إلى مساعدة وعون. وقد بيَّنا في الكتاب نفسه في باب "قانون المعاشرة" الخطوات التي اختارها الإسلام لإنهاء العبودية تدريجيًّا. ولكن القرآن جاء بتصور جديد للجار والجوار في تاريخ الدين والأخلاق، فالجار عند العامة هو الذي من يسكن بجنب دارك وما جاوره ولكن القرآن قد توسع في تعريف الجار فعنده له ثلاثة أقسام:

1 – الجار ذو القربى الذي له علاقة قرابة بك وهو جارك أيضًا فهو أحق بحسن السلوك من الآخرين.

2 – الجار الجنب: وهو الجار الذي غريب أجنبي لك وهذه الغربة ربما تكون من جهة الديانة ومن جهة القرابة. ودرجته بعد الجار ذي القربى.

3 – الجار الصاحب بالجنب. الذي صاحبك في السفر والرحلة فالقرآن قد أرشدنا إلى حسن التعامل والسلوك الحسن معه أيضًا مثل الجيران الآخرين.

وقد جاء الكثير من الأحاديث في حقوق الجار وهي كما يأتي:

عن أبي شريح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بالله لا يكون مؤمنًا بالله لا يكون مؤمنًا فقالوا: من يا رسول الله؟ فقال: من لا يسلم جاره بوائقة. (رواه البخاري رقم: 6005 ومسلم 7469)

وعنه قال: قال رسول اللٍ صلى الله عليه وسلم: من يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. (رواه البخاري رقم 6019)

وعن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثه (رواه مسلم: 6685 والبخاري رقم الحديث 6014)

عن أبي ذر الغفاري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. (رواه مسلم رقم الحديث: 6683)

وعن أبي هريرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة تحفةً لجارتها ولو قرش شاة. (رواه البخاري رقم 6017)