السبع المثاني
والتاسع أن سورة القرآن لم ترتب ولم تجمع بطريقة غير منظمة، بل رتبها الله تعالى بنظام خاص، وعلى مثل نظم الكلام في السور فإن هذا الترتيب أيضًا ترتيب مناسب حكيم جدًّا برعاية الموضوع. ويمكن أن نوجز ذلك إجمالًا بأن جميع سور القرآن الكريم رتبت على سبعة أبواب، وكل سورة لها توأم ومثنّى بلحاظ مضمونها، وبينهما مناسبة كمناسبة تكون بين زوجين. والعديد من السور مستثنى من ذلك. فمثلًا سورة الفاتحة منها جاءت كفاتحة الكتاب كله. والبقية جاءت تتمة وتكملة للقرآن مثل خاتمة الباب. ثم رتبت هذه السور كلها في صورة مجموعات سبعة عبرناها بالأبواب. وهذه الحقيقة قد جاءت في القرآن في سورة الحِجر كنحو تال: وَلَقَدْ اٰتَیْنٰکَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْاٰنَ الْعَظِیْمَ ( ۸۷)
فكل باب من أبواب القرآن يبتدأ من سورة مكية أو أكثر ويختم على سورة مدنية.
والباب الأول يبتدأ من الفاتحة ويختم على المائدة، وفيه الفاتحة مكية والبقية الأربعة مدنية.
والباب الثاني يبتدأ من سورتين مكيتين هما الأنعام والأعراف، ويختم على الأنفال والتوبة سورتين مدنيتين. وفي الباب الثالث السور الأربعة عشر الأولى من يونس إلى المؤمنين مكية وفي آخره سورة واحدة، التوبة هي مدنية.
الباب الرابع يبتدأ من الفرقان ويختتم على الأحزاب وفيه السور الثمانية الأولى مكية ومدنية وسورة واحدة فيه مدنية أي الأحزاب.
الباب الخامس يبتدأ من السبأ ويختتم على الحجرات ففيه ثلاث عشرة سورة مكية وثلاث سور مدنية في آخره.
الباب السادس يبتدأ من ق ويختتم على التحريم وفيه سبع سور مكية وبعدها عشر مدنية.
والباب السابع يبتدأ من الملك وينتهي على الناس. وفيه معظم السور مكية ما عدا السورتين الآخرتين أي المعوذتين وهما مدنيتان.
ولكل باب من هذه الأبواب موضوع خاص به ورتبت فيه جميع السور برعاية ذاك الموضوع، فمثلًا موضوع الباب الأول هو إتمام الحجة على اليهود والنصارى وتأسيس أمة جديدة من بني إسماعيل مكانهم، وتزكية تلك الأمة وتطهيرها والعهد الأخير لله تعالى معها.
والباب الثاني يبين إتمام الحجة عليهم ووعيد العذاب لهم كنتيجة له وبشارة غلبة الحق في أرض العرب ويمكن لنا أن نلخص كل ذلك في لفظتين الإنذار والتبشير. وإذا استثنينا الباب الأول منها رأينا أن ترتيب هذه الأبواب في القرآن يسير من الختام إلى البدء.فيكتمل الباب السابع على الإنذار والتبشير، وبعد ذلك يشتمل مضمون الإنذار والتبشير مع مضمون التزكية والتطهير أيضًا في الأبواب السادسة والخامسة والرابعة والثالثة. أما الباب الثاني الذي هو الباب الأخير من هذه السلسلة فيبلغ فيه إنذار النبي منتهاه. ولذا يبدو فيه قضاء المحكمة السماوية للمخاطبين مع إتمام الحجة عليهم ومع التزكية والتطهير، والذي نعبر عنه بالدينونة الأخيرة لله سبحانه قيل يوم القيامة.
فالباب الأول منفرد لأنه يختص باليهود والنصارى بدلًا من المشركين ولكن إذا نظرت في القرآن من منظار فاتحته، فهذا الباب أيضًا مرتبط بمضمون الدينونة التي جاءت في سورة التوبة، بعد إتمام الحجة والتزكية والتطهير، كما أن الأبواب المذكورة أعلاه ارتبطت واتسقت بترتيب صعودي إن جئتها من النهاية إلى البداية. ولذا فالباب الثاني كأنه ذروة سنام حيث يبلغ مضمون واحد مع فارق تغير المخاطبين إلى نقطة كماله وينتهي. فاتضح منه أن أسلوب الترتيب النزولي بعد الباب الأول قد اختير برعاية هذه الضرورة للربط بالباب الأول، ومضمون الإنذار والبشارة وإتمام الحجة قد جاء في السور المكية عمومًا ومضمون التطهير والتزكية في المدنيات. ولكنَّ هذين أيضًا متناسقان ومنسجمان مع كل باب، كأن الجزع يتفرع من الأصل، وتتفرع الأغصان من الجزع. فهذا ترتيب القرآن إذا رأيته نظرة تدبر فإن الترشيد الذي يحصل منه لطالب القرآن في فهم خلفية السور وزمان النزول، وفي تعيين مخاطبي القرآن وتعيين مضمون السورة من حيث المجموع لا يحصل من وسيلة أخرى خارج القرآن.
