فضيلة النبي
ويكون النبي أفضل البشر عامةً كما قال بعد ذكر بعض الأنبياء عليهم السلام: وكلا فضلنا على العالمين. (الأنعام: 86) ومع ذلك فقد حصلت هناك فضيلة لهم خاصة بعضهم على بعض، وبخاصة للرُّسل منهم، ويكونون ممتازين على الآخرين من بعض الجوانب كما جاء: تِلْکَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَی بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن کَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَیْنَا عِیْسَی ابْنَ مَرْیَمَ الْبَیِّنَاتِ وَأَیَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ( البقرة:253)
ووضح من ذلك أن موسى عليه السلام قد كلمه الله تكليماً هذا جانب خاص لفضيلة كما أعطى المسيح عليه السلام معجزات بينةً وأيده بروح القدس وهذا من امتيازاته المخصوصة. وقس على ذلك درجات الرسل الآخرين ومراتبهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه: "فُضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرُّعب، وأحلت لي المغانم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (مسلم رقم: 1167)
وعني بقوله "جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا" أن الصلاة في شريعتي ليست بخاصة للمساجد والمعابد بل تتم في كل مكان على وجه الأرض، وإذا لم يوجد الماء تُقضى حاجتا الغسل والوضوء بالتيمم بالأرض. وينبغيى أن تنظر فضيلة الأنبياء والرسل من هذا المنظار، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نبه الناس على ذلك على مواقع عديدة فمثلاً خاطبه صحابي مرة بقوله "يا خير البرية" فقال: كان إبراهيم خير البرية. رواه مسلم رقم الحديث: 6138) وسأله بعض الناس : من هو أفضل الناس فقال: يوسف ابن نبي ابن نبي ابن إبراهيم خليل الله أو كما قال عليه السلام. (رواه البخاري رقم 3353 ورواه مسلم رقم 6161) ووقع ذات يوم أن ذكر مسلم النبي صلى الله عليه وسلم في قسمه مما فضل الله به على العالمين فقال يهودي ردًّا عليه: وبالله الذي فضل موسى على العالمين : ولما سمعه المسلم غضب ولطم اليهودي لطمةً فشكا اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تفضلوني على موسى فإني إذا استيقظت يوم القيامة رأيته ممسكاً بالعرش الإلهي ولعله لم يُغشَ عليه أو يهب من قبلي. ( مفهوم ما رواه البخاري رقم : 2412)
ومع وضوح هذا التعليم وضوحاً تاماً ولكن أمم الأنبياء عليهم السلام لم تقبله عموماً بل اختاروا مسلكاً خاطئاً تماماً في هذا المجال وقامت تعصبات كثيرة فيما بينهم فوقعوا في الاقتتالات والمحاربات في ذلك.
يقول الأستاذ الإمام:
"أما ما سلكته كل أمة في نبيها أن خصته بسائر الكمالات والفضائل ونفت كل فضيلة عن نبي آخر باعتبارٍ منافٍ للإيمان، فكانت النتيجة لهذا التعصب والتحجر أن انزوت كل أمة من الأمم السابقة إلى زاويتها وانكمشت في قوقعتها.
وصارت طرائق الاستفادة من بركات الأنبياء والمرسلين الآخرين عليها مسدودة عليها، فلو انتهجت منهجًا صحيحًا لكان كل رسول رسولهم وكل دعوة دعوتهم، ولحظيت أيضًا من دعوة القرآن الكريم التي جاءت اليوم كهداية أخيرة في الدنيا، وقد أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في بني إسرائيل: ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا. (17: 55) ( تدبر القرآن 1/583)
