logo

قانون العبادات


الباب الأول

قانون العبادات

إن الإسلام يهدف إلى تطهير النفس وتزكيتها. وبلوغ هذا الهدف إلى منتهى الكمال يعتمد على إقامة علاقة العبودية بين العبد وخالقه علاقةً صحيحة. فكلما كانت هذه العلاقة أقوى كان العبد أقدر على تحقيق التزكية في أفكاره وأفعاله معاً. وعواطف الحب والخوف والصدق والوفاء والامتنان اِقراراً بصنائعه ونعمه غير المحدودة ،هي تجليات روحانية لتلك العلاقة التي تظهر في ثلاث صور وأشكال: العبادة والطاعة والحمية والمروءة وهذه الأخيرة هي شاملة لمكارم الأخلاق العليا كالنخوة والأريحية والشهامة وإغاثة الملهوف. وقد تم تقرير العبادات في دين الله لتذكير تلك العلاقة. فالصلاة والزكوة والأضحية والعمرة هي شعائر العبادة. والصوم والاعتكاف إظهار للطاعة. أما الحج فهو تعبير رمزي عن الحمية والحماية لله تعالى. وفي ما يأتي سوف نشرح أحكام وطقوس هذه العبادات كما جاء بها الشرع.

 الصلاة

إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتاً.(النساء:103)

الصلاة من أهم العبادات في الإسلام. وإذا تفكرت قليلًا أدركت أن الدين في جوهره هو معرفة الخالق تعالى وإظهار الخضوع والتواضع والعبودية له ممتزجةً بالحب والخوف. وأبرز تعبير عن هذا الجوهر هو العبادة الممثلة في التسبيح والتحميد والدعاء والمناجاة والركوع والسجود له، كمظاهر عملية للعبادة. فهذه هي الصلاة وهي بوتقة تشتمل كل تلك المظاهر شمولًا وامتزاجًا بديعاً.

تحتل الصلاة مكانة استثنائية في الدين ولغرض تفهم الصلاة على الوجه الصحيح علينا أن نضع أمامنا ما يلي من الخصائص.

الأول أن للصلاة المكانة في العبادة المماثلة للأهمية التي يحتلها التوحيد في الإيمانيات. ويبين القرآن أن الصلاة هي الثمرة الأبرز من ثمار معرفة الله التي يذكر بها الوحي الإلهي دومًا، كما أنها نتيجة لعواطف الحب والامتنان من الإنسان إلى الخالق جل مجده فقد قال جل شأنه:

 إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خرّوا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون. تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقنهم ينفقون. (السجدة:15-16)

وقد أوضح ذلك إيضاحًا مزيدًا في سورة الروم حيث قال:

  فأقم وجهك للدين حنيفًا، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين.( الروم: 30-31)

نعم قد جاء في القرآن الكريم ذكر "وعملوا الصالحات" بعد الإيمان حيث روعي الإجمال في البيان، ولكن حيثما أراد تفصيل ذلك الإجمال بدأ بالصلاة قبل كل شيء فمثلاً قال:

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة. (البقرة: 3) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة.  (البقرة: 27)

والتزكية هي المقصود الذي يهدف إليه الدين في القرآن، فقد هدى الله للتوصل إليه لإقام الصلاة قبل كل شيء فقال جل ذكره: قَدْ اَفْلَحَ مَنْ تَزَکّٰی وَذَکَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلّٰی. ( الأعلى: 14-15)

 ولم يقف عند ذلك بل بدأ بالصلاة في كل مقامات ذكر فيها القرآن الأعمال التي هي لازمة وضرورية للفوز الدائم والفلاح الآخروي ،فقال في سورة المؤمنين: قَدْ اَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِیْنَ ھُمْ فِي صَلَاتِھِمْ خٰشِعُوْنَ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ لِلزَّکٰوۃِ فٰعِلُوْنَ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ لِفُرُوْجِھِمْ حٰفِظُوْنَ ...وَالَّذِیْنَ ھُمْ لِاَمٰنٰتِھِمْ وَعَھْدِھِمْ رٰعُوْنَ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ عَلٰی صَلَوٰتِھِمْ یُحَافِظُوْنَ. (المؤمنون: 1-9)

وقال في سورة المعارج:
اِنَّ الْاِنْسَانَ خُلِقَ ھَلُوْعًا، اِذَا مَسَّه الشَّرُّ جَزُوْعًا وإذا مَسَّه الْخَیْرُ مَنُوْعًا اِلَّا الْمُصَلِّیْنَ الَّذِیْنَ ھُمْ عَلٰی صَلَاتِھِمْ دَآئِمُوْنَ، وَالَّذِیْنَ فِي اَمْوَالِھِمْ حَقٌّ مَّعْلُوْمٌ لِّلسَّآءِلِ وَالْمَحْرُوْمِ، وَالَّذِیْنَ یُصَدِّقُوْنَ بِیَوْمِ الدِّیْنِ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ مِّنْ عَذَابِ رَبِّھِمْ مُّشْفِقُوْنَ، اِنَّ عَذَابَ رَبِّھِمْ غَیْرُ مَاْمُوْنٍ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ لِفُرُوْجِھِمْ حٰفِظُوْنَ... وَالَّذِیْنَ ھُمْ لِاَمٰنٰتِھِمْ وَعَهدِھِمْ رَاعُوْنَ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ بِشَھٰدٰتِھِمْ قَآئمُوْنَ، وَالَّذِیْنَ ھُمْ عَلٰی صَلاَتِھِمْ یُحَافِظُوْنَ، اُولٰٓئِکَ فِيْ جَنّٰتٍ مُّکْرَمُوْنَ. (المعارج: ۱۹۔۳۵) 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أحب الأعمال إلى الله قال: الصلاة لوقتها. (رواه البخاري: رقم :527)

وكتب سيدنا عمر بن خطاب رضي الله عنه كتابًا إلى ولاته وعماله وقال:

"إن أهم أعمالكم في الدين عندي الصلاة فمن حفظها حفظ الدين ومن أضاعها فهو لسائر أعمال الدين أضيع. (الموطأ رقم الحديث: 6)

والثاني أن الصلاة هي من شرائط كون الرجل مسلمًا. فقد صرح القرآن صراحة تامة أنه يحق لهم فقط مطالبة حقوقهم وواجباتهم في دولة إسلامية من حيث المسلمون الذين يصلون الصلاة ويؤتون الزكاة كما جاء في سورة التوبة عندما أعلن الإجراءات ضد مشركي العرب قال:

فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكوة فإخونكم في الدين. (9-11)

ويُستنبط منه أن هذا السلوك يجب أن يكون مع العباد في يوم القيامة أيضًا. فقد صرح في سورة القيامة: فَلاَ صَدَّقَ وَلَا صَلّٰی، وَلٰکِنْ کَذَّبَ وَتَوَلّٰی، ثُمَّ ذَھَبَ إلی اَھْلِه یَتَمَطّٰی، اَوْلٰی لَکَ فَاَوْلٰی، ثُمَّ اَوْلٰی لَکَ فَاَوْلٰی.(۷۵: ۳۱۔۳۵) 

ويتضمن هذا البيان القرآني أن عدم أداء الصلاة عند الله تعالى هو مسلك الاستكبار في مقابلة الله تعالى. فإن القرآن قد وضع "صلى" مقابل "تولى" و "ثم ذهب إلى أهله يتمطى" وقد أفاد القرآن في موضع آخر أن الجمل يدخل في سم الخياط ولكن لا يدخل المستكبرون الجنة. (الأعراف: 40)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. (رواه مسلم رقم: 247)

وقال أيضًا: خمس صلوات افترضهن الله تعالى عز وجل: من أحسن وضوئهن وصلاتهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له. ومن لم يفعل فليس له على الله عهد. إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. (رواه أبو داود رقم:425)

والثالث أن الصلاة هي وسيلة للقيام على الدين والقرآن يقول إن من يغفل عن ذكرالله تعالى ويعرض عن ذكره يسلط عليه شيطان يصير له قرينًا صباحَ مساءَ: فقد جاء في القرآن:

ومن يعش عن ذكر الرحمن يقيض له شيطانًا فهو له قرين. (الزخرف: 37)

فالصلاة تجنبه من تلك الغفلة والأعراض وتحفظه من حملات الشيطان. وأنت ترى أن الآيات من سورة المعارج والمؤمنين التي نقلت في المذكور أعلاه، تذكر الأمور التي بدأت بالصلاة وانتهت أيضًا بذكر الصلاة. وذلك ينبئ عن أن مواظبة الصلاة هي التي تضمن للإنسان أن يقوم على الدين. نعم قد يحمل عليه الشيطان بعد الصلاة أيضًا، ولكن لا يمكن للشيطان أثناء المواظبة عليها أن يتمكن في قلب الإنسان، فإن الصلاة تدفع عنه وتذب عن حملاته مثل الحصار ما دام الإنسان يواظب على الصلاة ويثابر عليها. ولذلك جاء الحكم الأكيد لقيامها في حالة الخطر أيضًا كما أمكن له راجلاً أم راكباً. فقد قال في سورة البقرة على موقع اختتام بيان القانون والشريعة:
حٰفِظُوْا عَلَی الصَّلَوٰتِ وَالصَّلٰوۃِ الْوُسْطٰی وَقُوْمُوْا لِلّٰہِ قٰنِتِیْنَ. فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا اَوْ رُکْبَانًا، فَاِذَآ اَمِنْتُمْ فَاذْکُرُوا اللّٰہَ کَمَا عَلَّمَکُمْ مَّا لَمْ تَکُوْنُوْا تَعْلَمُوْنَ.(۲: ۲۳۸۔۲۳۹) 

وقد ذكر القرآن في سورة مريم اتباع الشهوات كأنها نتيجة لازمة لإضاعة الصلوات فقال: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. (مريم"95) وجاء ذلك في سورة العنكبوت في أتم صورة وأوضحها فقال: وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.(45) أي أن الصلاة تنبه المرء كواعظ رادع له أنه سوف يواجه الرب تعالى وأنه يُسأل يومئذ عما كان يفعله في الدنيا، فلا يتغافل عن هذه الحقيقة في خضم غلبة العواطف وحملات الشهوة وهجوم الأهواء. ويقول الأستاذ الإمام في شرح الآية:

"فالذين يأتون الصلاة بآدابها وشرائطها كانت صلاة الخلوة أو صلاة العلن، فصلاتهم بظاهرها وباطنها تذكرهم بحقائق، التذكير بها ضروري لازم لإقامة الحياة على الجادة المستقيمة. وخاصةً صلوات الخلوة لها تأثير عميق في حياة الإنسان. ومثل الذي لا يصلي كمثل سائق سيارة يسير بها بسرعة فائقة ولكنه لا يعرف ويغفل تمامًا عن علامات منبهة وإرشادية منصوبة يميناً ويساراً. فمن يعرف أن السائق كهذا في أي حفرة يسقط سيارته." (تدبر القرآن: 6:53)

الرابع أن الصلاة تمحو الذنوب والسيئات لأنه إذا قام العبد للصلاة وله شعور صحيح، فإنه يجدد عهده مع الله تعالى أن يجتنب من معصيته. وناتجاً من ذلك أنه يندم بالتأكيد على أخطائه التي ارتكبها من صلاة إلى صلاة أخرى. ثم يرجع إلى اشتغالات الحياة بعزم قوي وإرادة ثابتة أن سيجتنبها الآن. وإذا تفكرت رأيت أن حقيقة التوبة هي هي. ومعلوم أن التوبة تطهر العبد من المآثم والذنوب. ولذا قال: وَاَقِمِ الصَّلٰوۃَ طَرَفَیِ النَّھَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّیْلِ، اِنَّ الْحَسَنٰتِ یُذْھِبْنَ السَّیِّاٰتِ، ذٰلِکَ ذِکْرٰی لِلذّٰکِرِیْنَ.( هود: 114)  

وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمساً ما تقولون في ذلك أيبقى من درنه شيء قالوا: لا يبقى من درنه شيء قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا. (رواه البخاري رقم الحديث 528) أي الذنوب التي لا تتعلق بحقوق العباد ولا تحتاج إلى التوبة والكفارة.

الخامس أن الصلاة تخلص من الصعوبات. وإذا دعا القرآن اليهود إلى تجديد عهدهم مع الله فقد أرشدهم أن يستعينوا بالصبر والصلاة حتى يتحملوا مسؤوليات ذلك العهد. (البقرة: 45)

وسلك القرآن هذا المسلك بعينه مع بني إسماعيل إذ قال لهم: یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوا، اسْتَعِیْنُوْا بِالصَّبْرِ وَالصَّلٰوۃِ، اِنَّ اللّٰہَ مَعَ الصّٰبِرِیْنَ.(البقرہ: ۱۵۳) 

كما لُقن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا أن يستعين بها للصبر والاستقامة في مقابلة إيذاء المعاندين وتعسف الظالمين الأشرار فقال: فَاصْبِرْعَلٰی مَا یَقُوْلُوْنَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ قَبْلَ طُلُوْعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوْبِ، وَمِنَ الَّیْلِ فَسَبِّحْه وَاَدْبَارَ السُّجُوْدِ. ( ق: 29-40)

وذلك يعني أن الصلاة هي أكبر وسيلة لتوجيه رحمة الله إليه، كما عُلم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا داهمه أمر هام قام يصلي (تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/87) فإذا التمس منه الناس أن يدعو للمطر فصلى الصلاة ودعا لذلك. وإذا عرض خطر لبطش الحق عندما كسف الشمس وخسف القمر قام يصلي. وفي معارك بدر وأحزاب لما اصطف المسلمون ضد المعاندين المهاجمين استعان بالصلاة ودعا الله له.

السادس أن الصلاة هي معرفة دعوة الحق. فقد قال القرآن إن المصلحين يمسكون بالكتاب من حيث إنه ميثاق من الله وميزان للحق والباطل وأقاموا الصلاة، كما قال تعالى: وَالَّذِیْنَ یُمَسِّکُوْنَ بِالْکِتٰبِ وَاَقَامُوا الصَّلٰوۃَ، اِنَّا لَا نُضِیْعُ اَجْرَ الْمُصْلِحِیْنَ.(الأعراف ۷ ۱۷۰) 

ويقول الأستاذ الإمام أمين أحسن في تفسير الآية:

"وبيان القرآن لهذا يعطي معياراً لاختبار حركات ودعوات ظهرت لتجديد الدين وإصلاح الملة جميعًا. وتعلم من ذلك أن حركة دعوية إصلاحية تكون مستقيمة صحيحة تضع الصلاة موضعها الحقيقي، الذي يعطيها القرآن في عهد الله وجهاد إقامة الدين، في مبدئها ومعادها وبدئها ونهايتها وعقيدتها وعملها وهدفها ولائحة أعمالها. وأما الحركة والدعوة التي لا تعطيها تلك الأهمية والأولوية فإنها عمل غير مبروك وعملية لا طائل تحتها، اعتباراً بتجديد الدين وإصلاح الملة. لأنها محروم من عظام الصلب التي يقوم عليها قالب التجديد الديني، كما يعوزها الروح الذي يجري الحياة في ذلك القالب." (تدبر القرآن: 1/203)

السابع أن الصلاة يُتذرع بها للاستقامة في سبيل الحق. وسالكو هذا الطريق يعرفون أن المعية الإلهية هي التي تفضي بهم إلى الاستقامة. والصلاة متقاربة جدًّا مع الله سبحانه كأنها تقوم مقامه لنا في هذه الدنيا، كما جاء ذلك في آية من سورة العلق ألا وهي "فاسجد واقترب" (19) فالمعية الإلهية في سبيل الله إنما تحصل بكتابه وبصلاة قائمة له. وقيام الليل أي صلاة التهجد له دور كبير في هذا الصدد، ولذا لما أمر رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالإنذار العام أمر بإحياء الليل، إذا أراد أن يتحمل مسؤوليات هذا القول الثقيل وبقراءة القرآن في صلاة الليل. ووجه ذلك أن ذاك الوقت خاص جدًّا لخلو القلب والعقل وأنسب لفهم القرآن وفي ألفاظ الأستاذ الإمام "ما يخرج في هذا الوقت من اللسان يؤثر في القلب تاثيراً بالغاً والمرء يقبل ذلك بنفسه مثل شهادة القلب له ويأخذ بمجامع قلوب المستمعين الآخرين. (تدبر القرآن 9/25) فقال تعالى: 
یٰٓاَیُّھَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ الَّیْلَ اِلَّا قَلِیْلاً، نِّصْفَه اَوِ انْقُصْ مِنْه قَلِیْلاً اَوْ زِدْ عَلَیْه وَرَتِّلِ الْقُرْاٰنَ تَرْتِیْلاً. اِنَّا سَنُلْقِي عَلَیْکَ قَوْلاً ثَقِیْلاً، اِنَّ نَاشِئة الَّیْلِ ھِي اَشَدُّ وَطْاً وَّاَقْوَمُ قِیْلاً، اِنَّ لَکَ فِي النَّھَارِ سَبْحًا طَوِیْلاً، وَاذْکُرِ اسْمَ رَبِّکَ وَتَبَتَّلْ اِلَیْه تَبْتِیْلاً.(المزمل: ۱۔۸)

ويفيد بعض الروايات أن هذا الوقت هو وقت نزول الرب تعالى إلى هذه الدنيا فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى إذا بقي ثلث الليل يقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفره. (رواه البخاري رقم الحديث: 1145 ومسلم 758)

الثامن أن الصلاة فطرة للكون فإذا كان للإنسان عينان. وينظر بهما فلا يتردد في فهم أن كل ذرة في الأرض وفي السماء تسبح للرب تعالى وتحمده وتسجد له.

والإنسان وإن كان لا يرى ذلك ولا يفهمه ولكن يمكن له أن يرى ويفكر أن كل شيء بظاهره في هذا العالم مسلم لله خاضع لأمره في كل لحظة. فكذلك لا يحتلف باطن كل شيء عن ظاهره. وكل دابة ماشية في الأرض وكل شجرة مترعرعة في الحدائق، وكل طير متغرد في القضاء، وكل سمك سابح في البحر وكل نجم طالع في السماء، والشمس والقمر وكل ذلك يشهد لذلك بوجوده كما قال: تُسَبِّحُ لَه السَّمٰوٰتُ السَّبْعُ وَالْاَرْضُ وَمَنْ فِیْھِنَّ، وَاِنْ مِّنْ شَیْءٍ اِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمْدِہٖ وَلٰکِنْ لَّا تَفْقَهُوْنَ تَسْبِیْحَھُمْ. (بني إسرائيل:44)

والكل منهم واقف على صلاته وتسبيحه ولا يغفل عن ذلك ولو للحظة. فإذا كان الإنسان بصيراً ليبصر أن الطير إذا يسبح في الفضاء مادًّا أجنحته فكأنه خاضع لله مع كمال عجزه. وقال تعالى: اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللّٰہَ یُسَبِّحُ لَہٗ مَنْ في السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَالطَّیْرُ صٰٓفّٰتٍ؟ کُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَه وَ تَسْبِیْحَه، وَاللّٰہُ عَلِیْمٌ بِمَا یَفْعَلُوْنَ.(النور:41)

ويقول الأستاذ الإمام:

"إن لكل شيء لهذا الكون مزاج إبراهيمي. فإن الشمس والقمر، والنجوم والكواكب والجبال والدواب وكل شيء مسخر للإنسان تحت أمر من الله وحكمه. ولا يمكن لشيء منها أن ينحرف عن قوانين طبيعية مقررة لها من الله تعالى أيما انحراف. والشمس التي قد أكثر الجهلاء من عبادتها من كل شيء آخر، إنها بوجودها تشهد أنها تكون كل يوم وليلة في حالات القيام أو الركوع والسجود. فعند طلوعها ترفع رأسها من السجدة وتكون في حالة القيام حتى وقت الظهيرة ثم تركع بعد الزوال وتظل على هذه الحالة إلى غروبها. فتسجد عند الغروب وتبيت في السجود ليلتها كلها. وتظاهر بهذه الحقيقة القمر بغروبها وتضائلها والكواكب بطلوعها وغروبها. وكذا الحال للجبال والأشجار والدواب. فإن ظلال كل شيء منها تكون كل وقت في حالة القيام والركوع والسجود. وإذا تدبرت فيها رأيت أن فطرة الظل أيضًا فطرة إبراهيمية فإنها تكون دائمًا في الجانب المخالف المتعارض للشمس. فإذا كانت الشمس في الجانب الشرقي يكون الظل بالجانب الغربي وعلى عكس منه إذا كانت في الجانب الغربي يمتد الظل إلى الشرق. كان ظلال كل شيء تعلمنا بوجودها أن السجدة لا تجدر بالشمس وإنما تجدر بخالق الشمس." (تدبر القرآن 5/229)

قال تعالى:
اَوَ لَمْ یَرَوْا اِلٰی مَا خَلَقَ اللّٰہُ مِنْ شَیْ ءٍ، یَّتَفَیَّؤُا ظِلٰلُه عَنِ الْیَمِیْنِ وَالشَّمَآئلِ سُجَّدًا لِّلّٰہِ وَھُمْ دٰخِرُوْنَ؟ وَلِلّٰہِ یَسْجُدُ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ مِنْ دَآبَّة وَّالْمَلآئکَة وَھُمْ لَا یَسْتَکْبِرُوْنَ. (النحل: 48-49)

فإنه إذا قام الإنسان يصلي فكأنه يلبي دعوة التسبيح والتحميد والركوع والسجود من قِبل العالم كله. إنه ينسق ويوافق أداة طبيعته مع تلك الآلة ويعلن عن طريق عمله إنه لا يتخلف عن أحد، ويخضع وليس فقط جسمَه بل روحَه أيضًا للخالق تعالى، ولا ينعزل عن الكون برمته في طريق ليس له فيه من يرافقه. وإن هناك زملاء في السفر فهم أولئك الذين صدق عليهم القول ولزم العذاب. قال تعالى: اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللّٰہَ یَسْجُدُ لَه مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَمَنْ فِي الْاَرْضِ؟ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُوْمُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَکَثِیْرٌ مِّنَ النَّاسِ، وَکَثِیْرٌ حَقَّ عَلَیْه الْعَذَابُ.(الحج: ۱۸)

التاسع أن الصلاة هي الحياة فإنها دعوة الأنبياء عليهم السلام. فإن القرآن يعبر بها بنفس التعبير فقال: یٰٓاَیُّها الَّذِیْنَ اٰمَنُوا، اسْتَجِیْبُوْا لِلّٰہِ وَلِلرَّسُوْل ِاِذَا دَعَاکُمْ لِمَا یُحْیِیْکُمْ  (الأنفال: 24) ووجه ذلك أن الكل يحيون حياتهم ولكن الحياة الحقيقية التي هي نور كله وسكينة كلها وإيمان كله، تحصل فقط بذكر الله. والأنبياء عليهم السلام يدعون إليها وهم يدعون إلى الصلاة قبل كل شيء. وما هي الصلاة؟ إن المشاعر الجميلة بمعرفة الله تعالى وذكره وفكره وإحساس القربة إذا وصلت إلى منتهى الكمال تكون صلاةً.

وقد قطع به كل العارفين أن حياة القلب هي أصل الحياة وحياة القلب هي حياة المعرفة والذكر والفكر والقربة الإلهية. وتحصل هذه الحياة من الصلاة فقط وتبقى منها فقط، والقرآن قد أشار إلى ذلك حينما وضع الحياة في مقام في مقابلة الصلاة والقربان بإزاء الموت فقال: قُلْ: اِنَّ صَلاَتِي وَ نُسُکِي وَ مَحْیَاي وَمَمَاتِي لِلّٰہِ رَبِّ الْعٰلَمِیْنَ. (الأنعام: 162)

والإنسان إذا عرف هذه الحقيقة انتظر الصلاة ليل نهار كما ينتظر إلى الشرب والأكل صباح ومساءَ. واشتاق إليها كما يتوق العاطش إلى الماء والجائع إلى الخبز، فالصلاة تكون له زرقًا كريماً من الله سبحانه أن يشبع منه ويتقوى به. كما قال سيدنا المسيح عليه السلام: لا يحيى الإنسان بالخبز فقط بل يحيى بكل كلمة تخرج من فم الله تعالى. (متى:4:4)

فكما أن الناس يستمتعون ويستلذون من أطعمة لذيذة متنوعة فإن المؤمن يلتذ ويستمتع من المقامات المختلفة للقرآن، ومن تسبيحات متنوعة وأدعية كثيرة. فالصلاة في خضم المصائب والآفات تكون له كنسيم عطرة في طوفان الآثام كهواء نسيم طلق، وفي خريف الحزن واليأس مبشرةً للربيع وملجأ مأمون ومأوى صلب في هجوم العداء والعناد. ولا تأخذ هذا كشعر بل إنه تعبير عن كيفيات المقامات التي شرحها النبي صلى الله عليه وسلم في أساليب بلاغية رفيعة حين قال: قم يا بلال فأرحنا بالصلاة .(رواه أبو داود رقم الحديث:4986 وقال: جعلت قرة عيني في الصلاة. (رواه النسائي: رقم: 3392)