logo

المیزان والفرقان

المیزان والفرقان

الرابع أن القرآن نزل في ھٰذه الأرض کمیزان للحق والباطل وفرقانا بینھما ومُھیمناً علی سلسلة الوحي کلھا، کما قال تعالیٰ:

اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ (الشوریٰ: ١٧)

و ’و‘ ھنا قبل المیزان جاء للتفسیر فصار ’’المیزان‘‘ بیانا ’’للکتاب‘‘ في الحقیقة وعلیه فالآیة تقول إن الله عزوجل قد أنزل القرآن للتمییز بین الحق والباطل وھو في الواقع میزان للعدل. فأنزله لینظر کل شخص ما ھو الحق وما ھو الباطل. فھو وحده المیزان، لا شیئ في ھٰذه الدنیا سواه ما یوزن علیه القرآن. وکما قال تعالیٰ: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (الفرقان: ١)

فالفرقان في ھٰذه الآیة أیضا یعطي المفھوم نفسه، أي کتاب ھو حجة قاطعة في المیزة بین الحق والباطل، فھنا أیضا أرید بیان الحقیقة أن ھٰذا الکتاب ھو القول الفصل في کل شیء. وهو الصحیفة المعیارية، فیکون مرجعاً في النزاعاتِ کلھا والخلافات جمیعا. لایحکم علیه شيئ بل ھو یحکم في کل مکان من دولة العلم والھدیٰ وکل أمرء مسئول ألا یقدم علیه شیئاً.

وقال تعالیٰ: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ. (المائدة: ٤٨)

ففي ھٰذه الآیة تعطي لفظة المھیمن ذاک المفھوم وھو إسم صفة من ’ ھیمن فلان على کذا‘ في معنی المحافظ والرقیب. والآیة تقرر أن القرآن مھیمن علی الصحف السابقة ومعنی ذلک أن النسخة المعتمدة للکتابات الإلھیة الآن ھو القرآن المجید فقط. فإذا کانت المتون للصحف السماویة الأخری قد فقدت أو دخلت التحریفات الکثیرة في تراجمھا فبقي القرآن الآن حکما و معیاراً یمیز بین الحق والباطل. فکل ما یمکن إثبات صحته علی معیاره ھو صحیح. وما لا یمکن إثبات صحته ھو بالتاکید خطأ ویجب رفضه.

وھٰذه ھي منزلة القرآن التي أعلنھا بنفسه له فیجب أن نسلم بناءً علیه کمبادي أشیاء تالیة له:

أولاً: لایحدد القرآن وحي خفي أو جلي خارج القرآن ولا تخص حکمه ولا یغیر فیه ولا یأتي بأي تعدیل حتی والرسول صلی الله علیه وسلم الذي نزل علیه لایفعل ذلک. فکل شیئ یُرد أو یُقبل في الدین في ضوء آیاته البیات. ویبتدئ کل بحث للإیمان والعقیدة منه ویختتم علیه، وکل وحي وکل إلھام وکل إلقاء وکل تحقیق أو رأي یتبعه. والحقیقة التي لاتجحد فیه أن حکومته تقوم علی کل من أبي حنیفة والشافعي والبخاري ومسلم والأشعري والماتریدي والجنید والشبلي، علی الکل ولا یؤخذ ولایُقبل شیئ منھم مایخالف القرآن ویعارضه.

وثانیاً: أن دلالة ألفاظه علی مفاھیمه قاطعة فما یرید قوله یقوله بکل صراحة وصرامة، ولا یقصر عن بیان مدلوله تقصیراً في أي أمر کان. ومفھومه ھو الذي تقبله ألفاظه، لایختلف منه ولا یتباین. وھناک باب واحد فقط للوصول إلی مدینة معانیه وھو ألفاظه لا غیر. والتي تعطي مفاھیمھا بقطعیة کاملة لاریب فیھا ولاشک.

فھٰذان مما یتقاضاھما کون القرآن میزاناً وفرقاناً، لایختلف فیه اثنان. ولکن ھناک تساؤلات عدیدة مما تخالج بعض الناس وھي کالتالي:

أولاً: ھناک خلافات للقراءة في بعض المقامات في القرآن. وھي تؤثر لیس في التلفظ بھا بل أحیانا علی معاني الألفاظ أیضاً. ففي مثل ھذه الحالة لایکون شیئ قاطعاً وحاسماً إذا کانت ھناک خلافات. مثلاً إذا کانت "أرجلکم "التي جاءت في الآیة السادسة من سورة المائدة یُقرأ بالنصب وبالجر أیضاً فکیف تحسم علی أساس القرآن أنه لابد من غسل الأرجل في الوضوء ولایُمسح علیھما؟

وثانیاً: إن ما نفھم من القرآن من معنیً نستطیع فھمه من طریق ألفاظه وترکیب جمله والحال أن فھمنا ھٰذا موقوف علی علوم و فنون ظنیة کلھا أي النحو واللغة والبلاغة وغیرھا. فکیف یقال – والحالة ھٰذه – إن دلالة ألفاظ القرآن قاطعة تماماً علی مفھومه؟

وقد جاء الإمام الرازي بھٰذا السؤال وبسطه في تفسیره کالتالي:

’’دلالة الألفاظ علی معانیھا ظنیة لأنھا موقوفة علی نقل اللغات ونقل الإعرابات والتصریفات مع أن أول أحوال تلک الناقلین أنھم کانوا آحاداً وروایة الآحاد لاتفید إلا الظن. وأیضاً فتلک الدلائل موقوفة علی عدم الاشتراک، وعدم المجاز، وعدم النقل وعدم الإجمال وعدم التخصیص وعدم المعارض العقلي فإنه بتقدیر حصوله یجب صرف اللفظ إلی المجاز، ولاشک أن اعتقاد ھٰذه المقدمات ظن محض، والموقوف علی الظن أولی أن یکون ظناً. (التفسیر الکبیر ١/٢٨)

وثالثاً: لقد بین القرآن في موضع عن نفسه أن من آیاته ما ھو محکم وبعض منھا متشابه. ولایعلم تأویله ومفھومه إلا الله، فھٰذا أیضاً مما یقدح في کون القرآن قولاً فصلاً. فإننا إن کنا لانمیز المحکم من المتشابه ولاندري مفاھیم الآیات المتشابھات فکیف إذن نُعین مراد القرآن ومدلوله في تلک الآیات. وکیف نقرر القرآن حَکماً علی كل شيئ  آخر غیره بناءً علی ذلک.

ورابعاً: ھناک أحادیث وروایات تغیر في مراد القرآن. وعلماءنا یعبرون عن ذلک في بعض المقامات بنسخ وفي بعضھا بتحدید وتخصیص وتقیید وما إلی ذلک من الاصطلاحات الأصولية الفقھیة. فإن نوقن بھٰذا فکیف نسلم للقرآن تلک المنزلة المذکورة فیما مر آنفا؟

فھٰذه ھي السؤالات التي تقدم بھٰذا المجال عموماً.