والحكم الأول أن العبادة تكون لله وحده بما أنه لا إله إلَّا الله وحده. وقد بينا من قبل في هذا الكتاب نفسه عن العبادة تحت عنوان "الدين الحق" أن حقيقتها هي الخضوع والتذلل يظهر أولًا في مراسم التعبد وتشمله الطاعة ثانيًا مراعاةً لوجود الإنسان الفعلي. ومظاهر الصورة الأولى هي التسبيح والتحميد والدعاء والمناجاة والركوع والسجود والنذر والقربان والاعتكاف. ويشتمل في الصورة الثانية أن الإنسان يؤمن لأحد بالسلطات الألوهية ويمتثل له في كل أمره ونهيه من حيث إنه حاكم مستقل بالذات وشارع مطلق له. وقد قضى الله سبحانه أنه لا يكون شيء منهما لأحد غيره فقد قال وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه. فإن كان هناك شخص يأتي بتسبيح وتحميد لأحد غير الله أو يدعوه ويناجيه أو يركع ويسجد له أو يقرب له القربان أو ينذر له أو يعتكف عليه أو يطيع أحدًا مسلّمًا له جميع السلطات الألوهية، فذلك يعني أنه يجحد أن يطيع الله وحده، وكان في مخاطبي القرآن من كانوا يجنون هذه الجناية الكبرى فقال مبينًا لهم جريمتهم بصراحة تامة: فقال للساجدي الشمس والقمر: لَا تَسْجُدُوْا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوْا لِلّٰهِ الَّذِيْ خَلَقَهُنَّ اِنْ كُنْتُمْ اِيَّاهُ تَعْبُدُوْنَ (حم السجدة:37) وقال الذين يدعون أكابر السلف: وَالَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللّٰهِ لَا يَخْلُقُوْنَ شَيْـــًٔـا وَّهُمْ يُخْلَقُوْنَ اَمْوَاتٌ غَيْرُ اَحْيَاۗءٍ ۚ وَمَا يَشْعُرُوْنَ ۙ اَيَّانَ يُبْعَثُوْنَ (النحل:20-21) وقال للذين يطيعون لرجال الدين مسلمين لهم السلطات الألوهية: اِتَّخَذُوْٓا اَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ اَرْبَابًا مِّنْ دُوْنِ اللّٰهِ وَالْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ ۚ وَمَآ اُمِرُوْٓا اِلَّا لِيَعْبُدُوْٓا اِلٰــهًا وَّاحِدًا ۚ لَآ اِلٰهَ اِلَّا هُوَ ۭسُبْحٰنَهٗ عَمَّا يُشْرِكُوْنَ (التوبة:31) كما أنه نبه الذين يخصمون الحرث والأنعام لتقدم النذر والقربان لشركائهم من دون الله. فقال: وَجَعَلُوْا لِلّٰهِ مِمَّا ذَرَاَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْاَنْعَامِ نَصِيْبًا فَقَالُوْا ھٰذَا لِلّٰهِ بِزَعْمِهِمْ وَھٰذَا لِشُرَكَاۗىِٕنَا ۚ فَمَا كَانَ لِشُرَكَاۗىِٕهِمْ فَلَا يَصِلُ اِلَى اللّٰهِ ۚ وَمَا كَانَ لِلّٰهِ فَهُوَ يَصِلُ اِلٰي شُرَكَاۗىِٕهِمْ ۭ(1)سَاۗءَ مَا يَحْكُمُوْنَ (الأنعام: 136\) وقد أبطل الله التحليل والتحريم كهذا كما أبطل أيضًا مما حرمه أهل العرب من الأنعام ما يسمونه حامًا والبحيرة والسائبة والوصيلة ،وقال بصراحة إنها لا شيء. والبحيرة ناقة ذات أطفال خمسة ويكون خامسها ذكر تخترق آذانها وتُترك حرة ،والسائبة يقال لناقة تكون حرة بعد الوفاء بنذر. أما الوصيلة فبعضهم ينذر أنه إذا ولدت شاة ذكرًا تذبح للآلهة، وإذا ولدت أنثى تبقى عندهم فإذا ولدت ذكرًا أو أنثى معًا يقولون لها وصيلة ولا يُنذر الذكر كهذا للآلهة. وحام هو الجمل الحفيد الذي يكون له أولاد وأولاد الأولاد. يكون أيضًا حرًّا طليقًا. فقال الله تعالى في ذلك: مَا جَعَلَ اللّٰہُ مِنْ بَحِیْرَۃٍ وَّلَا سَآءِبَة وَّلاَ وَصِیْلَة وَّلَا حَامٍ، وَّلٰکِنَّ الَّذِیْنَ کَفَرُوْا یَفْتَرُوْنَ عَلَی اللّٰہِ الْکَذِبَ وَاَکْثَرُھُمْ لَا یَعْقِلُوْنَ.(المائدة: ۱۰۳)
(1)وهذا تذكير بحماقة وجهالة جهلاء أنه إذا ماتت عنزة منذورة باسم الأصنام تُعوض من نصيب الله أما إذا أصابت آفة النصيبَ الذي أخرج باسم الله فلا يعوض من نصيب الأصنام.
وهذه الحساسية الزائدة التي تعبرها "ألا تعبدوا إلا إياه" في عبادة الله وحده، هي التي بعثت النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقول: لا تجعلوا القبور مساجد لعن الله اليهود والنصارى لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.(رواه البخاري رقم 436 ومسلم رقم 1184 و 2251\) وهذا كان من آخر ما أوصاه لأمته قبل اللحوق بالرفيق الأعلى ويمكن تقدير أهمية التوحيد من خلال هذه الوصية النبوية.
