logo

المقامات


مشاهد القيامة

والقرآن قد فصل المراحل التي يمر بها الإنسان في طريق شهود ذلك اليوم مع بيان تلك المقامات التي ينزل بها بعد شهود ذلك اليوم. وإنه يسير إليه مسحوبًا. فالمرحلة الأولى لهذا السفر هو الموت. فبعد الأيام القليلة للحياة الدنيا يتعرض كل إنسان لمرحلة الموت. لا مفر له منها كما قال تعالى:كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْت (آل عمران:185) فيأتي صبحًا أو مساء ويمكن أن يطرأ على الإنسان قبل أن يولد وبعد أن يولد وفي صباه ،وفي شبابه وفي شيخوخته في أي وقت شاء، وكل شخص مضطر إلى التسليم له طوعًا أو كرهًا. وقد بين القرآن أن الموت عبارة عن فصل شخصية الإنسان والتي هي وجود مستقل عن حياته الحيوانية، عن جسم الإنسان. وقد كان أوتي الإنسان هذه الشخصية أول مرة بعد مرور وجوده الحيواني بمراحل متعددة للتسوية. ثم اكتمالها ويؤتاها اليوم أيضًا في حينها بعد أن يمر على استقرار الحمل 120 يومًا كما يفيد بذلك القرآن والحديث: (السجدة: 6-9، المؤمنون: 12-14، والبخاري: رقم 7454 ومسلم رقم: 6723) والموت عبارة عن فصل تلك الشخصية عن الجسم ويقوم بهذه العملية ملك خاص تعمل تحته فرقة بأسرها (النساء: 97، الأنعام:93، النحل: 28) فهو يأتيه ويتوفاه كما يتوفى الأمين الرسمي شيئًا في قبضته. قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوت الَّذِي وُكِّلَ بِكُم ثُم الي ربكم ترجعون (السجدة:11)

ويذكر القرآن عند هذه النقطة ما سيحدث مع الإنسان. فتقبض الملائكة أرواح المنكرين للأنبياء بعد إقامة الحجة عليهم منهم بضربهم وإخبارهم متوعدين إياهم بعذاب ذلة رهيب ينتظرهم عند الموت بسبب أعمالهم. قال: وَلَوْ تَرٰي اِذْ يَتَوَفَّى الَّذِيْنَ كَفَرُوا الْمَلٰىِٕكَةُ يَضْرِبُوْنَ وُجُوْهَهُمْ وَاَدْبَارَهُمْ  وَذُوْقُوْا عَذَابَ الْحَرِيْقِ،ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْدِيْكُمْ وَاَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيْدِ . (الأنفال: 50- 51)

وأما من آمن بالأنبياء وبرئ من شوائب الكفر والشرك والظلم والعدوان في جانب آخر فإن الملائكة ستتقبله بالبشاشة والترحيب وتبشره بالجنة: قال: الَّذِيْنَ تَتَوَفّٰىهُمُ الْمَلٰىِٕكَةُ طَيِّبِيْنَ  يَقُوْلُوْنَ سَلٰمٌ عَلَيْكُمُ  ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ. (النحل: 32)

وأما المقامات التي بعدها فتسمى على التوالى بالبرزخ والحشر والجحيم والجنة نذكرها فيما يلي بهذا الترتيب:

البرزخ

وهو معرب للفظة "برده" الفارسية. وأطلقت كلمة البرزخ على حد فاصل حيث سيظل الميت باقيًا إلى يوم القيامة كأن ذلك حد يمنعهم من الرجوع ومن وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون.(المؤمنون:100) ومصطلح عالم البرزخ وجد من ذلك. وقد أطلقت كلمة "القبر" مجازيًّا في الأحاديث والآثار لذلك العالم الذي سيبقى الإنسان فيه حيًّا، ولكن تلك الحياة تكون بلا جسم ويكون فيه كيفية إدراك الروح وإحساسها وتجاربها ومشاهداتها مماثلة تقريبًا للصورة العلمية، ولذا قال أن تلك المنام تنكسر مفاجأة والمجرمون يجدون أنفسهم أحياء بأرواحهم وأجسادهم حاشدين إلى ميدان الحشر فيقولون : تحديدًا حاسمًا سواء كانوا صالحين أوفوا بحقوق الوفاء لدرجة الكمال أو منكرين جحدوا الحق بدافع الخيلاء والغرور فتبتدئ نوعية عذابهم وثوبهم من هذا العالم لأن أمر هؤلاء واضح محسوم ولا حاجة إلى إخضاعهم للحساب والمساءلة.

ومثال الصورة الأولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأبرار الذين حاربوا مع الرسول وقاموا بإرواء غليل الحق من دماءهم الزكية، فقد قال القرآن فيهم إنهم أحياء ويرزقون عند ربهم فقال: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ قُتِلُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللّٰهِ اَمْوَاتًا بَلْ اَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُوْنَ.  فَرِحِيْنَ بِمَا اٰتٰىهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِه  وَيَسْـتَبْشِرُوْنَ بِالَّذِيْنَ لَمْ يَلْحَقُوْا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ اَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُوْنَ . يَسْتَبْشِرُوْنَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّٰهِ وَفَضْلٍ وَّاَنَّ اللّٰهَ لَا يُضِيْعُ اَجْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ (آل عمران: 169-171)

ومثال الصورة الثانية هو فرعون وأتباعه. الذين لم يؤمنوا بموسى بعد قيام الحجة عليهم من قبله. ومن جراء ذلك بأنهم أهلكوا من عذاب الله في هذه الدنيا ويعرض عليهم العذاب صبح مساء في الحياة البرزخية أيضًا كما قال: وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها وغدوًّا وعشيًّا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (المؤمن: 45-46)

فهذا هو العذاب والثواب الذي جاء ذكرها في الأحاديث والروايات: (البخاري رقم: 1379 ومسلم رقم 7211)

وأضاف إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن الابتداء لمن بعث إليهم سيكون من سؤال "ما تقول في هذا الرجل" (رواه البخاري رقم: 1374 ومسلم رقم: 7216)

ووجهه ظاهر لأن الرسول بعد بعثته هو الذي يكون وسيلة واحدة لقومه للتمييز بين الحق والباطل ولذا لا حاجة إلى سؤال مزيد بعد التساؤل عن الإيمان به.

المحشر

ويليه مقام الحشر والنشر. والحشر يطلق في لسان القرآن على إحياء جديد لكافة الجنس البشري منذ خلق آدم إلى قيامة الساعة بعد النفخة الثانية للصور، وقد بيّنا من قبل أنه سيوجد كيان الأرض الأخرى بعد زلزلة القيامة. فيقام الحشر على تلك الأرض. وماذا ستحدث من المعاملات والأمور فيها نذكرها فيما يلي:

1 - يبعث الناس أجمعون أحياء من قبورهم. وحياتهم تلك تكون مع الروح والجسد وقد أطلق عليه في القرآن الحياة الثانية.(المؤمن:11) ويبدل فيه جسم الإنسان الدنيوي في جسد متناسب ومتلائم للحياة في الملك الأبدي لله سبحانه نعمةً ونقمةً في كل حالة، ولكن مع شخصية يحياها الآن في الدنيا ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (يس: 51) وقالوا أإذا كنا عظامًا ورفاتًا أإنا لمبعوثون خلقًا جديدًا قل: كونوا حجارة أو حديداً أو خلقًا مما يكبر في صدوركم فسيقولون: من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا (بني  إسرائيل: 49-51)

2- وصلاحيات الإنسان وطاقاته تصير متقدمة جدًّا نتيجة إعادة الخلق هذه بحيث يتمكن من رؤية من يشاء أن يراه جالسًا في مكانه ويتمكن من التحدث إليه مهما كان بعيدًا عنه. فقد روي أن شخصًا من أصحاب الجنة إذا ما ذكر قرينة في العالم اطلع عليه بدون مشفة ورآه في سواء الجحيم قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الحجيم، قال: تالله إن كدت لتردين. ولولا نعمة من ربه لكنت من المحضرين (الصاقات: 57)

3- ويكون هنالك عالم جديد تمامًا تضيء أرضه بنور الله وتغشاه تجليته وجلاله تعالى ويكون الملائكة حافين من حول عرش الرب. وكل شيء يحمد ربه تعالى حتى أن المجرمين أيضًا يصلون هناك حامدين ربهم ومثنين عليه:

ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها (الرمز: 68-69) يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلًا (بني  إسرائيل: 52)                 

وَتَرَی الْمَلَائِکَۃَ حَافِّیْنَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ یُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَیْنَهم بِالْحَقِّ وَقِیْلَ الْحَمْدُ لِلَّہِ رَبِّ الْعَالَمِیْنَ (الزمر: 75) وتكون الأرض والسماوات يومئذ مطوية بيمين الله تعالى ويكون ذلك اليوم بحق منكري القيامة والجاحدين لها بحيث تجعل شدته الولدان شيبًا.

وَالْأَرْضُ جَمِیْعاً قَبْضَتُه یَوْمَ الْقِیَامَة وَالسَّماوَاتُ مَطْوِیَّاتٌ بِیَمِیْنِه سُبْحَانَه وَتَعَالَی عَمَّا یُشْرِکُونَ  (الزمر:67) فَكَيْفَ تَتَّقُوْنَ اِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَّجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيْبَۨا والسَّمَاۗءُ مُنْفَطِرٌۢ بِهٖ  ۭ كَانَ وَعْدُهٗ مَفْعُوْلًا . (المزمل:17-18)

وأعمال الناس تتوضح من وجوههم، ويقول الكل نفسي نفسي فلا يستجيب الأخ لأخيه ولا الابن لأبويه ويفر المرء من صاحبته وبنيه. فَاِذَا جَاۗءَتِ الصَّاۗخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ اَخِيْهِ وَاُمِّهٖ وَاَبِيْهِ وَصَاحِبَتِهٖ وَبَنِيْهِ  لِكُلِّ امْرِئ مِّنْهُمْ يَوْمَىِٕذٍ شَاْنٌ يُّغْنِيْهِ وُجُوْهٌ يَّوْمَىِٕذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  وَوُجُوْهٌ يَّوْمَىِٕذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  اُولٰۗىِٕكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ   (عبس: 33-42)

ويؤخذ المجرمون يومئذ ينواصيهم ويُسحبون على جباههم للحضور في حضرة القاهر الجبار ويقودهم قادتهم في الدنيا ويعرفون بسيماء وجوههم ويحشرون من قبورهم، يسوقهم ملك ويصحبهم ملك آخر لإدلاء الشهادة عليهم ويفضحون مزيدًا بأن يُدعون إلى السجود لربهم فلا يستطيعون. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُوْنَ بِسِيْمٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِيْ وَالْاَقْدَامِ  فَبِاَيِّ اٰلَاۗءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبٰنِ (الرحمن: 41-42).

وقال: اِلٰي فِرْعَوْنَ وَمَلَا۟ىِٕهٖ فَاتَّبَعُوْٓا اَمْرَ فِرْعَوْنَ ۚ وَمَآ اَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيْدٍ    يَـقْدُمُ قَوْمَهٗ يَوْمَ الْقِيٰمَةِ فَاَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۭ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُوْدُ (هود: 97-98). وَنُفِخَ فِي الصُّوْرِ ۭ ذٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيْدِ وَجَاۗءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَاۗىِٕقٌ وَّشَهِيْدٌ (ق: 20-21). يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَّيُدْعَوْنَ اِلَى السُّجُوْدِ فَلَا يَسْتَطِيْعُوْنَ  خَاشِعَةً اَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۭ وَقَدْ كَانُوْا يُدْعَوْنَ اِلَى السُّجُوْدِ وَهُمْ سٰلِمُوْنَ (القلم:42-43)

ويقسم الجنس البشري كله إلى ثلاث طوائف. الأولى السابقون إلى الحق الثانية الصالحون العامة. هم الذين يعطون كتاب أعمالهم في اليمين الثالثة هم أصحاب المشئمة الذين تُربط أيديهم من خلفهم ويعطون كتاب أعمالهم في الأيدي المربوطة الشمالية. قال تعالى: وَكُنْتُمْ اَزْوَاجًا ثَلٰثَةً فَاَصْحٰبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ اَصْحٰبُ الْمَيْمَنَةِ   وَاَصْحٰبُ الْمَشْـَٔــمَةِ مَآ اَصْحٰبُ الْمَشْــَٔــمَةِ وَالسّٰبِقُوْنَ السّٰبِقُوْنَ اُولٰۗىِٕكَ الْمُقَرَّبُوْنَ (الواقعة: 7-11)وقال: وَاَمَّا مَنْ اُوْتِيَ كِتٰبَهٗ وَرَاۗءَ ظَهْرِهٖ  فَسَوْفَ يَدْعُوْا ثُبُوْرًا  وَّيَصْلٰى سَعِيْرًا (الانشقاق: 10-12)

6 – وتكشف حقيقة خلافات الناس وإذا عرضوا للاحتساب فيأتي كل شيء بكل عدل وقسط ونصفة ومع وزنه الحقيقي الكامل، لا بيع ولا شراء ولا صداقة حميمة ولا تعويض ولا شفاعة ولا ظلم وتعسف بأحد عند هذه النقطة، بل يتوضح كل شيء بدرجة نهائية. اِلَى اللّٰهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيْعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيْهِ تَخْتَلِفُوْنَ (المائدة: 48). وَنَضَعُ الْمَوَازِيْنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَـيْــــــًٔا  ۭ وَ اِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا  ۭ وَكَفٰى بِنَا حٰسِـبِيْنَ (الأنبياء47). وَاتَّقُوْا يَوْمًا لَّا تَجْزِىْ نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَـيْــــًٔـا وَّلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَّلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَّلَا ھُمْ يُنْصَرُوْنَ . (البقرة:48)

7 - وتعرض الشهود لإتمام الحجة. وجيء بالنبيين أيضًا للشهادة وتشهد على الناس ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم وآذانهم وأسماعهم وأبصارهم وجلودهم وحتى مسامات الأجسام تشهد ثم يقضى عليهم. وَاَشْرَقَتِ الْاَرْضُ بِنُوْرِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتٰبُ وَجِايْۗءَ بِالنَّـبِيّٖنَ وَالشُّهَدَاۗءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَــقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ (الزمر:69) . يَّوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ اَلْسِنَتُهُمْ وَاَيْدِيْهِمْ وَاَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ (النور: 24) حَتّىٰٓ اِذَا مَا جَاۗءُوْهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَاَبْصَارُهُمْ وَجُلُوْدُهُمْ بِمَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ  وَقَالُوْا لِجُلُوْدِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا ۭ قَالُوْٓا اَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِيْٓ اَنْــطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَّهُوَ خَلَقَكُمْ اَوَّلَ مَرَّةٍ وَّاِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ (حم السجدة: 20-21)

8 – وعند هذه النقطة يكذب المشركين شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، ويقطعون بهم الأسباب. فالعدو لله وللإنسان الشيطان يتبرأ منهم براءة كاملة ويلومهم باتباعهم إياه. وَاِذَا رَاَ الَّذِيْنَ اَشْرَكُوْا شُرَكَاۗءَهُمْ قَالُوْا رَبَّنَا هٰٓؤُلَاۗءِ شُرَكَاۗؤُنَا الَّذِيْنَ كُنَّا نَدْعُوْا مِنْ دُوْنِكَ ۚ فَاَلْقَوْا اِلَيْهِمُ الْقَوْلَ اِنَّكُمْ لَكٰذِبُوْنَ (النحل: 86) . اِذْ تَبَرَّاَ الَّذِيْنَ اتُّبِعُوْا مِنَ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْا وَرَاَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْاَسْـبَابُ (البقرة: 166). وَقَالَ الشَّيْطٰنُ لَمَّا قُضِيَ الْاَمْرُ اِنَّ اللّٰهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُّكُمْ فَاَخْلَفْتُكُمْ ۭ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطٰنٍ اِلَّآ اَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ ۚ فَلَا تَلُوْمُوْنِيْ وَلُوْمُوْٓا اَنْفُسَكُمْ ۭ مَآ اَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ اَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ  ۭ اِنِّىْ كَفَرْتُ بِمَآ اَشْرَكْتُمُوْنِ مِنْ قَبْلُ ۭ اِنَّ الظّٰلِمِيْنَ لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ (إبراهيم: 22)

الجهنم

هذا مكان العذاب ودار التطهير والتزكية للمجرمين، وله أسماء متعددة جاءت في القرآن ففي مكان أطلق عليه اسم جهنم وفي مكان آخر السقر والنار الكبرى وما إلى ذلك من الألفاظ والتعبيرات. فإنها ساءت مصيرًا كما جاء في الآيات البقرة: 126-206، آل عمران: 151 ،  إبراهيم: 29) وله سبعة أبواب حسب قوله تعالى لَهَا سَبْعَةُ اَبْوَابٍ  ۭ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُوْمٌ  (الحجر: 44). فإن أسباب التهكلة التي عددها القرآن بتدرج تحت سبعة عناوين (بني  إسرائيل: 22-39)

والشيطان يغوي الناس ويلقيهم إلى طريق النار بابتلائهم في أي منها أو في مجموعتها. وهذا التصنيف والتبويب يكون في الأغلب برعاية تلك المهلكات السبعة. كما عبر به أيضًا لإعلام الناس بسبعة جهنم، أنها تكون وسيعة عريضة لدرجة أن لها سبعة أبواب. يدخل فيها طوائف من قضي عليهم بدخول جهنم منفصلة متفرقة بحساب جريمة خاصة لها. وقد قال أيضًا أي عليها تسعة عشر من الملائكة المشرفين عليها والمراقبين لأعمالها. وَمَآ اَدْرٰىكَ مَا سَقَرلَا تُبْقِيْ وَلَا تَذَرُلَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَر ښعَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (المدثر:27-30)

وقد ذكر القرآن في أمكنة كثيرة أن المشركين والكافرين بشعور وبصيرة منهم، لهم العذاب الخالد الدائم. وهكذا قد بين هذا العذاب أيضًا لمن يقتل أحدًا متعمدًا كما جاء الوعيد نفسه في حق من يخالف قانون الوراثة ،وكذلك جاء الوعيد نفسه لمرتكبي بعض الكبائر الأخرى. ولا شك أنه يدخل النار من يخرج منها بعد التعذيب والتطهير. ولكن تصريحات القرآن هذه صريحة بظاهرها في خلود وبقاء النار في حق المجرمين كهؤلاء أبدًا. ومع ذلك يتوقع أن يُطوى بساطها يومًا. ووجه ذلك أن عذابهم وعيد لا وعد لله سبحانه ويحق لله تعالى أن يخفف في عذاب هؤلاء المجرمين برحمته أو أن يدفنهم للأبد رمادًا في أرض جهنم نفسها. فَاَمَّا الَّذِيْنَ شَقُوْا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيْهَا زَفِيْرٌ وَّشَهِيْقٌ  خٰلِدِيْنَ فِيْهَا مَا دَامَتِ السَّمٰوٰتُ وَالْاَرْضُ اِلَّا مَا شَاۗءَ رَبُّكَ   ۭ اِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيْدُ (هود :106- 107)

وتكون في جهنم عقوبات روحية وجسدية، وقد بينها القرآن فقال: ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق.(الحج: 9) ونار جهنم هي لواحة للبشر (المدثر:29).وتلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (المؤمنون: 104) وتكون نزاعة للشوى ( المعارج: 16). وتتطلع على الأفئدة (المهمزة:6-7). إنها ترمي كالقصر (المرسلات:32). ولا يموت فيها ولا يحيى (الأعلى: 12-13والفاطر:36). وسُقوا ماء حميمًا فقطع أمعاءهم (محمد: 15). وتصب من فوق رؤوسهم الحميم (الحج: 19). ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون (36-37) النبأ:24-25). وتسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع (الغاشية: 5-7) (الدخان :43-44). وقطعت لهم ثياب من نار (الحج:19) إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (المؤمن:71.الدهر:4) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر (مريم:39) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (المطففين :  15) . ولا ينظر إليهم يوم القيامة (آل عمران:77). اِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا    لِّلطَّاغِيْنَ مَاٰ بًا لّٰبِثِيْنَ فِيْهَآ اَحْقَابًا  لَا يَذُوْقُوْنَ فِيْهَا بَرْدًا وَّلَا شَرَابًا اِلَّا حَمِيْمًا وَّغَسَّاقًا جَزَاۗءً وِّفَاقًا   اِنَّهُمْ كَانُوْا لَا يَرْجُوْنَ حِسَابًا   وَّكَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَا كِذَّابًا  وَكُلَّ شَيْءٍ اَحْصَيْنٰهُ كِتٰبًا  فَذُوْقُوْا فَلَنْ نَّزِيْدَكُمْ اِلَّا عَذَابًا . (النبأ:21-30)

الجنة

وهذه هي مأوى الصالحين ودار إقامتهم عبر به سيدنا المسيح عليه السلام" بمُلك السماء (صحيفة متى الباب5 الآيات:19-20 -70، والباب 7 الآية:21) واستعمل القرآن لها ألفاظًا وتعبيرات مختلفة نحو روضة وفردوس وجنة النعيم وجنة الخلد وجنات عدن وما إليها من الأسماء الأخرى- وسعتها سعة السماء والأرض (آل عمران:133، الحديد:21) وهي مكان دوام العيش. وعلى عكس من الحياة الدنيوية ليس هناك أي تصور للموت مع الحياة، وللألم مع اللذة، والغم مع الفرحة،كما لا يشوب طمأنيتها اضطراب ولا راحتها مشقة ونعمتها نقمة. راحتها دائمة، لذتها بلا نهاية، وأيامها خالدة، وسلامتها آبدة ومسرتها غير فانية، وجمالها غير زائل وكمالها لا نهائي. وَاَمَّا الَّذِيْنَ سُعِدُوْا فَفِي الْجَنَّةِ خٰلِدِيْنَ فِيْهَا مَا دَامَتِ السَّمٰوٰتُ وَالْاَرْضُ اِلَّا مَا شَاۗءَ رَبُّكَ  ۭ عَطَاۗءً غَيْرَ مَجْذُوْذٍ .(هود:108)

ويدخلها المؤمنون بشأن أن يتلقاهم الملائكة من يمينهم وشمالهم ومن خلفهم وقدامهم، فيدخلونهم في الجنة حيث يستقبلهم. وَسِيْقَ الَّذِيْنَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ اِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۭ حَتّىٰٓ اِذَا جَاۗءُوْهَا وَفُتِحَتْ اَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَـــتُهَا سَلٰمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوْهَا خٰلِدِيْنَ . (الزمر:73)

ولكي يتصور الإنسان إلى حد ما نفعها وآلاءها قد استعار القرآن الكريم أسباب الملك ولوازمها ولذا ذكر حدائق ناضرة، وأنهار سائلة وروضات باسمة، وقصورًا شاهقة وآنية من فضة وأكواب. وولدان مخلدون وأرائك ذهبية وثياب سندس خضر وإستبرق، وكؤوسها دهاقًا وكواعب أترابًا ومجالس عيش وطرب، فقال: اِنَّ لِلْمُتَّقِيْنَ مَفَازًا حَدَاۗىِٕقَ وَاَعْنَابًا وَّكَوَاعِبَ اَتْرَابًا ۙوَّكَاْسًا دِهَاقًا  لَا يَسْمَعُوْنَ فِيْهَا لَغْوًا وَّلَا كِذّٰابا  جَزَاۗءً مِّنْ رَّبِّكَ عَطَاۗءً حِسَابًا  (النبأ:31-36).

فَوَقٰهمُ اللّٰہُ شَرَّ ذٰلِکَ الْیَوْمِ وَلَقّٰهمْ نَضْرَۃً وَّسُرُوْرًا، وَجَزٰهمْ بِمَا صَبَرُوْا جَنَّة وَّحَرِیْرًا، مُّتَّکِئیْنَ فِیْها عَلَی الْاَرَآئِکِ،لَا یَرَوْنَ فِیْها شَمْسًا وَّلَا زَمْهرِیْرًا، وَدَانِیَة عَلَیْهمْ ظِلٰلُها وَذُلِّلَتْ قُطُوْفُها تَذْلِیْلاً، وَیُطَافُ عَلَیْهمْ بِاٰنِیَة مِّنْ فِضَّة وَّاَکْوَابٍ کَانَتْ قَوَارِیْرَاْ، قَوَارِیْرَاْ مِنْ فِضَّة قَدَّرُوْها تَقْدِیْرًا، وَیُسْقَوْنَ فِیْها کَاْسًا کَانَ مِزَاجُها زَنْجَبِیْلاً، عَیْنًا فِیْہَا تُسَمّٰی سَلْسَبِیْلاً، وَیَطُوْفُ عَلَیْهمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُوْنَ، اِذَا رَاَیْتَهمْ حَسِبْتَهمْ لُؤْلُؤًا مَّنْثُوْرًا، وَاِذَا رَاَیْتَ، ثَمَّ رَاَیْتَ نَعِیْمًا وَّمُلْکًا کَبِیْرًا، عٰلِیَہُمْ ثِیَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَّاِسْتَبْرَقٌ وَّحُلُّوْٓا اَسَاوِرَ مِنْ فِضَّة وَسَقٰهمْ رَبُّہُمْ شَرَابًا طَهوْرًا، اِنَّ هذَا کَانَ لَکُمْ جَزَآءً وَّکَانَ سَعْیُکُمْ مَّشْکُوْرًا.(الدھر: ۱۱۔ ۲۲) 
كما قال في الذين دخلوا الجنة أنهم يجدون ما يشتهون (حم السجدة: 31) (الزخرف:71 ، ق:35). قلوبهم مطهرة من البغض والحسد والشقاء فهم على الأرائك متكئون متحابين (الأعراف: 43). (الححر : 48 ) (الكهف :108). (فاطر:34-35).. وَبَشِّرِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ اَنَّ لَھُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِىْ مِنْ تَحْتِهَا الْاَنْهٰرُ    ۭ   كُلَّمَا رُزِقُوْا مِنْهَا مِنْ ثَمَـــرَةٍ رِّزْقًا    ۙ   قَالُوْا ھٰذَا الَّذِىْ رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ    ۙ    وَاُتُوْا بِهٖ مُتَشَابِهًا    ۭ    وَلَھُمْ فِيْهَآ اَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ   وَّھُمْ فِيْهَا خٰلِدُوْنَ (البقرة:25). لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا (الواقعة:22) ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (البقرة:62، 112، 262، 244، 277). وفوق كل ذلك رضوان من الله أكبر ( التوبة: 72) وفي جواب الرضوان الإلهي يكون هناك تسبيح وتهليل من العباد. دَعْوٰىھُمْ فِيْهَا سُبْحٰنَكَ اللّٰهُمَّ وَتَحِيَّتُھُمْ فِيْهَا سَلٰمٌ  ۚ وَاٰخِرُ دَعْوٰىھُمْ اَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰلَمِيْنَ  (يونس:110)(مريم:62)...الحج:24)..الزمر:73)

وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إيضاحًا مزيدًا فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة القدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة الأنجوج عود الطيب وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء: (رواه البخاري رقم: 3327 ومسلم رقم 7149- 7156-7157).

فهذه كلها صور متقاربة لأفهامنا وإلا ما هي كنه تلك النعم فقد عبر به النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في حديث آخر رواه البخاري (رقم 3244-4779 ومسلم رقم 7132 ) من لفظ أن الله تعالى وضع في الجنة لعباده ما لا عين رأت ولا سمعت به الآذان ولا خطر على قلب بشر. وقد بينه الله في نفس الأسلوب في القرآن فقال: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (السجدة:17).