logo

الصبر

الصبر

الخامس الصبر. وهو يأتي لمنع النفس عن القلق والاضطراب. وقد استعمل في آية الحجرات "ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم" في مفهومه هذا البدائي. ثم غلبه معاني الاستقامة والثبات على الموقف والاستقلال على رغم المشكلات والموانع. فالصبر الذي جاء في آية الأحزاب التي نبحث عنها هو ليس شيئًا من نوع العجز والتذلل الذي يجبر عليه المرء في حالات الحرج والذلة والاستكانة، بل هو مما ينبع منه العزيمة والهمة والبسالة. وهو جمال للسيرة الإنسانية العليا وروعته. فبه يحصل للإنسان همة أن يستقبل ويرضى على ما يجري له من تجارب الحياة المريرة، ولا يشتكي ولا يستغيث عليها. فاعتباراً بهذا المفهوم الصابر هو الشخص الذي يثابر على موقفه مقابل كل خوف وكل طمع، وأن يطمئن ويرتضى بقضاء الرب تعالى. وقد بين القرآن ثلاثة مواقع للصبر وهي: الفقر والمرض والحرب، وإذا تدبرت علمت أن هذه الثلاث هي المنابع لكافة الشدائد وجميع الآفات والمصائب: فقال تعالى:

والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. (البقرة: 177)

وقد أبرز القرآن الصبر في هذه الآية على طريقة منصوب على المدح النحوية، وماله من أهمية ومكانة خاصة في سيرة رجل. وقد أوضح القرآن الصبر من مواقع استعمال كلمة الصبر وموارد حكمه أيضًا.

قام النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته وأمر أن يستمر في أعمال الدعوة صارفًا نظره عن كل ما يجابهه الناس من معاداة وعناد واضطهاد حتى يجيء أمر الله. وعليه أن ينتظر أمر الله على كل حال فليس له أن يقدم على شيء قبله. وقد استخدم الصبر لتأدية هذا المفهوم فقال:

واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. (يونس: 109)

إنه أصاب أيوب عليه السلام ما أصابه من مصائب وشدائد قاسية لكنه استسلم بما قضى به الرب تعالى ورضي فمدحه الله تعالى واستخدم لذلك تعبير "الصبر" فقال:

إنا وجدناه صابرًا، نعم العبد إنه أواب. (ص :44)

وحكى القرآن من وصايا لقمان لابنه أن يسير في طريق الدعوة صابرًا فقال:

وأمُر بالمعروف وانهَ عن المنكر واصبر على ما أصابك، إن ذلك من عزم الأمور. (لقمان: 17)

ومن أهم الهدايات التي نصحها القرآن لدعاة الحق أن يعرضوا عن الجاهلين وإذا ظلموهم وآذوهم صبروا عليها ورفعوا عداوتهم بالتي هي أحسن. وذلك شيء لا يستهان بقيمته، ويضطر المرء لذلك أن ينشئ في نفسه صفات العفو والتحمل والأناة. والصبر جامع لهذا كله فاستخدمه القرآن أداءً لهذا المعنى، فقال: اُدْعُ اِلٰی سَبِیْلِ رَبِّکَ بِالْحِکْمَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وَجَادِلْهمْ بِالَّتِیْ هي اَحْسَنُ، اِنَّ رَبَّکَ هُوَ اَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِیْلِه وَهُوَ اَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِیْنَ، وَاِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوْا بِمِثْلِ مَا عُوْقِبْتُمْ بِه، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَیْرٌ لِّلصّٰبِرِیْنَ. (النحل:125-126). وقال:
وَمَنْ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّنْ دَعَآ اِلَی اللّٰہِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَّقَالَ: اِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِیْنَ، وَلَا تَسْتَوِی الْحَسَنَة وَلَا السَّیِّئة، اِدْفَعْ بِالَّتِي هي اَحْسَنُ فَاِذَا الَّذِیْ بَیْنَکَ وَبَیْنَه عَدَاوَۃٌ کَاَنَّه وَلِي حَمِیْمٌ، وَمَا یُلَقّٰهآ اِلَّا الَّذِیْنَ صَبَرُوْا وَمَا یُلَقّٰهآ اِلَّا ذُوْحَظٍّ عَظِیْمٍ.(حٰم السجدہ: ۳۳۔۳۵) 

وفي ميدان الحرب إذا جابه الموت وواجه الهلاك، تحجرت الأعين وبلغت القلوب الحناجر ففي مثل هذه الحالة العصيبة الرهيبة الذي يناضل الأعداء بالجرأة والبسالة والعزيمة ولا يزعزعهم شيء فقد جاء الصبر وصفاً لهم فقال: فَاِنْ یَّکُنْ مِّنْکُمْ مِّائة صَابِرَۃٌ یَّغْلِبُوْا مِائتَیْنِ، وَاِنْ یَّکُنْ مِّنْکُمْ اَلْفٌ یَّغْلِبُوْٓا اَلْفَیْنِ بِاِذْنِ اللّٰہِ، وَاللّٰہُ مَعَ الصّٰبِرِیْنَ. (الأنفال: 66)

والمسؤوليات التي فرضها الله تعالى على الإنسان وهو مسؤول عن أدائها طيلة حياته بكل استقلال وعزيمة وفي تفسير الأستاذ الإمام كما يحرث الفلاح حقله ويزرعه ويسقيه ويواصل رقابته ورعايته فعلى العبد المؤمن كذلك أن يحافظ على مزرعه المبارك، ويجهد فيه جهدًا طيبًا وقد استخدم القرآن لذلك تعبير الصبر فقال:

رب السماوات والأرض وما بينهما. فاعبده واصطبر لعبادته. (مريم:65)

ويطرأ على كل شخص حالات الحزن والمسرة والراحة والألم. فإذا قام المرء بضبط نفسه فيها ولم يعتز على مواقع الراحة والسراء كما لا يملكه اليأس والحرمان في حالات العسر والحزن فلتعبير عن هذه الكيفية أيضًا قدجاء القرآن بلفظة "الصبر" وقال:
وَلَئِنْ اَذَقْنَا الْاِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَة ثُمَّ نَزَعْنٰها مِنْه اِنَّه لَیَئُوْسٌ کَفُوْرٌ، وَلَئِنْ اَذَقْنٰه نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْه لَیَقُوْلَنَّ : ذَهبَ السَّیِّاٰتُ عَنِّیْ، اِنَّه لَفَرِحٌ فَخُوْرٌ اِلاَّ الَّذِیْنَ صَبَرُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ، اُولٰٓئِکَ لَهمْ مَّغْفِرَۃٌ وَّاَجْرٌ کَبِیْرٌ.( هود: ۹۔۱۱)  

واتضح من ذلك أن الصبر ليس هو اسمًا للعفو الذي ينشأ عن الاضطرار ولا للصموت الذي يجيء من البؤس واليأس. بل هو اسم لآن يرتضي به المؤمن على قضاء الرب تعالى في كل حال. لا يتألم حين تتأخر النتيجة من أي عمل ولا يقلقه اضطراب. ولا ينشأ عند عاطفة الانتقام ممن أساؤوا إليه. وإن لزمه الدفاع عن الحق والذود عن الإيمان يثبت أمام الموت، ويضبط نفسه في كل حالات اللذة والألم. وما يراه واجبًا يأتي به طيلة حياته.                  

وهذا الجانب من سيرة الإنسان يقيم بين العبد وربه تلك العلاقة التي عبر بها بكلمة التوكل على الله. والذي هو اسم للاعتماد عليه في كل حال. فكلمة "إنا لله وإنا إليه راجعون" إذن هي كلمة التفويض والالتجاء إليه. فقد بشر القرآن الذي ظلوا قائمين على هذه الكلمة وودعوا الدنيا عليها، بأن تبذل عليهم ألطاف وعنايات خاصة من الرب تعالى. فقد قال فيهم: وَبَشِّرِ الصّٰبِرِیْنَ الَّذِیْنَ اِذَآ اَصَابَتْهمْ مُّصِیْبَة، قَالُوْٓا: اِنَّا لِلّٰہِ وَاِنَّآ اِلَیْه رٰجِعُوْنَ. اُولٰٓئِکَ عَلَیْهمْ صَلَوٰتٌ مِّنْ رَّبِّهمْ وَرَحْمَة، وَاُولٰٓئِکَ همُ الْمُهْتَدُوْنَ.(البقرة: ۱۵۵۔۱۵۷)