السنن
السلوك الذي يسلك الله تعالى مع عباده وبطريق يسلكه اصطلح عليه القرآن الكريم بالسنة الإلهية، وقد قال الله تعالى في ذلك أن هذه السنن لا تتغير و"لن تجد لسنة الله تبديلا". فكما أن معرفة صفات الله تعالى ضرورية لمعرفة الله فكذلك لابد لنا من معرفة السنن الإلهية أيضًا. ونأتي فيما يأتي بتفصيل سنن الله، ولكن قبل ذلك يليق بنا أن نذكر مقدمات تمهيدية للمبحث.
فيقول الأستاذ الإمام:
"1 – إن الله عز وجل قد خلق كل إنسان على فطرة سليمة طيبة من مبدأ الفطرة. وأعطى له التمييز بين الخير والشر، وله الخيار الكامل أن يختار أيًّا منهما. وبعد ذلك يتوقف صلاحه أو شره على عمله هوأولاً، وعلى التوفيق الإلهي ثانيًا. فإن حاول أن يهتدي وفقه الله تعالى، وإن أراد مذهب الشر تركه الله- إن شاء- أن يذهب مذهب الشر أيضًا.
2- الأشياء التي يؤجره الله فيها أو سيأخذه عليها قد جعل له حرية الاختيار والإرادة. ومن حُرم ذلك الخيار والإرادة فقد برأهم الله من المؤاخذة أيضًا. وهذا الخيار والإرادة ليست له إرادة ذاتية بل منيحة من الله تعالى: ويتم استخدامها أيضًا تحت مشيئة الله تعالى. فيمكن إن شاءت حكمة الله تعالى ومشيئته أن لا تتم إرادة للإنسان. لكن إذا كانت تلك الإرادة مبنية ًعلى الخير ولم تتم لا يحرمه الله تعالى من أجر ذلك الخير، وكذلك إذا لم تتم أية إرادة للشر لأي إنسان فلايعني ذلك بالمرة أن ذلك الإنسان سيكون بريئاً من المواخذة الأخروية أيضًا بالتأكيد.
3 – وحيثما ذكرت مشيئة الله على جهة الإطلاق إنما يعني ذلك أنه ليس هناك آخر سواه يغيرها أو يمنعها. ولا يعني أن مشيئته لا تتقيد بعدل وحكمة من أساسها. فإن الله عادل وحكيم ولا يخلو عمل له من العدل والحكمة. ولذا حيثما قد ذكر مشيئة قد ذكر مشيئة فلنفهمها تابعة ًلقانون العدل والحكمة. الذي قد ارتضى به أن يسير نظم العالم متواقفًا به. فلا يصح إذن أن السنة التي هو بنفسه أجراها وقانون العدل الذي هو ارتضى به، يهدمه هو بنفسه بمحض مشيئته. ومثلاً قال إنه "يضل من يشاء ويهدي من يشاء". فلا يعني أنه ليس هناك مبدأ مقرر مبني على العدل والحكمة للهداية والضلالة. وإنما يعني أن هذه الهداية والضلالة تتم وفقاً لسنة الله التي قد أجراها في باب الهداية والإضلال ،وليس لأحد أن يهدمها أو يغيرها.
4 – وقد نسب الله تعالى في القرآن الكريم بعض الأفعال إلى نفسه والمقصود من ذلك ليس نسبتها بذاتها كما أشرنا من قبل، بل يرادبها نسبة تلك الضوابط والقوانين التي تقع تحتها تلك الأفعال. وبما أن الضوابط والقواعد مما قررها الله سبحانه بالذات ،ولذا فأحيانًا نسب الله تعالى الأفعال الواقعة تحتها إليه، فمثلاً قال في موضع: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.( الصف: 5) أو قال في موضع آخر: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم (الأنعام: 115) ففي المواقع كهذه، يذكر القرآن الكريم الأصول التي تقع تلك الأفعال تحتها في عامة الأحوال. مثلاً يقال إن الله لا يضل إلا القوم الفاسقين، وتعني هذه الإشارة أن القارئ والدارس يتوجه إلى الحقيقة الأصلية ولا يقع في خطأ مغلوط منخدعًا بظاهر الألفاظ.
5 – إن علم الله تعالى الأزلي الأبدي والمحيط للكل لا ينفي سنةً من سنن الله المقررة، فلا شك أن الله تعالى يعلم عن كل شخص بعينه منذ الأزل أن يذهب مذهب الضلال أو يختار الرشد، ومع ذلك فإنه يعرف جيدًا أن العبد يختار الهدى أو الضلال مطابقًا لسنة الله التي قد قررها الله للهداية والضلالة." (تدبر القرآن 1/114)
وليتضح مع ذلك شيئان وضوحاً مزيداً:
أولًا تنسب بعض الأشياء إلى الله تعالى لكونه هو علة العلل، فلا يتواجد شيء ما بغير إذنه وبدون مشيته. كما تنسب إلينا بعض الأشياء أن نستحق بعضها في بعض الأحيان. كما قال تعالى:
وَاِنْ تُصِبْہُمْ حَسَنَۃٌ یَّقُوْلُوْا: هذِہٖ مِنْ عِنْدِ اللّٰہِ، وَاِنْ تُصِبْہُمْ سَیِّئَۃٌ یَّقُوْلُوْا: ہهذِہٖ مِنْ عِنْدِکَ، قُلْ، کُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللّٰہِ، فَمَالِ ہٰٓؤُلَآءِ الْقَوْمِ لَا یَکَادُوْنَ یَفْقَہُوْنَ حَدِیْثًا. مَآ اَصَابَکَ مِنْ حَسَنَۃٍ فَمِنَ اللّٰہِ وَمَآ اَصَابَکَ مِنْ سَیِّئَۃٍ فَمِنْ نَّفْسِکَ، وَاَرْسَلْنٰکَ لِلنَّاسِ رَسُوْلاً، وَکَفٰی بِاللّٰہِ شَہِیْدًا.(النساء: ۷۸۔۷۹) ويقول الأستاذ الإمام في تفسير ذلك:
"فخاطب أولاً أناسًا ينسبون النجاح إلى الله تعالى وينسبون الفشل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال نعم الأصل أن ظهور الخير كمقتضي لرحمة الله سبحانه ،والشر يترتب على أعمال الإنسان وأفعاله، ومن هنا يتعلق الشر بنفس الإنسان بذاته. ولا يخفى هنا أن الله سبحانه هو خير مطلق وقد خلق العالم لإظهار رحمته ولذا نسبة الشر إليه منافية لصفاته الطيبة الحسنة. فإنما يظهر الشر كله من سوء اختيار الإنسان. وقد شرف الله الإنسان بالحرية في دائرة خاصة، وهي نعمة كبيرة للإنسان وعليها يتوقف كل شرف الإنسان، ومن ذلك يستحق الإنسان العقاب أو الجزاء الحسن في الآخرة. ولولا هذه الحرية لذهب كل فرق بين الإنسان والحيوان. ولكن ليست هذه الحرية حريةً مطلقة. بل إنها محددة في دائرة خاصة كما أشرنا إلى ذلك من قبل.
ثم إنها واقعة تحت مشيئته وتابعة لحكمته في تلك الدائرة أيضًا. فلا يستطيع الإنسان إتمام أي إرادة له بغير إذن الله وبدون مشيئته. فالإرادة الصالحة تتم بتوفيق من الله وإرادة السوء تتم بإمهال من الله. وبما أن الله قد أمهل إرادة الشر لأحد أن تكون، فنسبت من هذه الجهة إلى الله سبحانه، ويمكن من جانب آخر أن يكون هو فعل الإنسان لأنه هو أرادها بنفسه وهو مختار في إرادته.
وانظر ذلك من ناحية أخرى، عندما أمهل الله تعالى لأحد أو لمجموعة أن ترفع شرها رأسها فقد يكون هناك مصالح للخلق من الحيثية المجموعية. فأحيانًا يكون فيه ابتلاء لأهل الحق، فتبعد منهم أسقامهم وتربو محاسن الأخلاق فيهم. وأحيانًا يقصد منه إتمام الحجة على أهل الباطل ،وفي بعض الأحيان تخلق الطبيعة نفسها ظروفاً تهدي إلى إبراز ما قدتم قمعه في داخل الطبائع، وبه تظهر الفضائل وتظهر شرور من يختبئ فيهم الشر أيضًا."(تدبر القرآن 2/344)
والثاني أن ما يقوم عليه حكم القبح والحسن والخير والشر هو مطابقة شيء لصفات الله تعالى أو مخالفته لها. فنقول العدل حسن لأنه من صفات الله عز وجل واستحسانه مودع في طبيعتنا بناءً على ذلك. فكان لهذا بلا شك حكمًا إضافيًّا ومع ذلك فإنه حكم أبدي، لأن صفات الله أزلية وأخلاقه أبدية. ثم إنها ليست متناقضة متصادمة فلا يمكن أن يريد الله مرة حكماً متوافقاً مع صفاته ،ويريد مرة أخرى حكماً معاكساً تماماً. لا، لأنه قائم بالقسط على كل حال. كما قال:
شَہِدَ اللّٰہُ اَنَّہٗ لآ اِلٰہَ اِلاَّ ہُوَ وَالْمَلآئکَۃُ وَاُولُوا الْعِلْمِ قَآئِمًا م بِالْقِسْطِ، لآ اِلٰہَ اِلاَّ هوَ الْعَزِیْزُ الْحَکِیْمُ.(آل عمران ۳: ۱۸).
ويقول الأستاذ الإمام:
"إن ما أشار إليه الله تعالى من صفة كونه قائمًا بالقسط هو من أهم أجزاء الإيمان به، وله دخل في حقيقة الإيمان لدرجة كأن الإسلام عبارة عنه فقط. وتقتضي أهميته أن نذكر هنا بعض النكات للأستاذ الإمام حميد الدين الفراهي المتعلقة عنه. كي يستفيد من ذلك الذين يتدبرون في حكمة الدين. فعنده حكمة وأهمية هذه الصفة تبدو من جوانب تالية:
أولًا: الإيمان من الأمن ويعني أنه يتضمن الاعتقاد والاعتماد فطرياً ،ولزم منه أنه لا بد من الإيمان به أن يكون لدى المرء إيقان راسخ بوجود الله تعالى. ولا يحصل ذلك ما لم يعتمد على أن العقل جُبل أصلًا للإرشاد لا للإضلال. يعني أن العقل مجبول كميزان قسط في داخل الإنسان، ثم استلزم ذلك نتيجة أخرى أن الفطرة قد أقامها فاطرها على مبادئ الحق والعدل، وكلها نتائج لازمة عقلية بل من البديهيات. فعُلم من ذلك أنه لا يثبت شيء حقًّا ما لا يؤمن بفاطره حقاً وعدلاً. ويثبت من ذلك كون أفعاله تماما ًحقاً وعدلاً. وكما أنه لازم عقلاً يتوفر ثبوته بطريق المسلمات الأخلاقية كذلك.
وتفصيل هذا الإجمال أن الله تعالى قد أدخل الصلاح في الفطرة وأودع في القلوب رغبةً لقبول الصلاح وإكرامه، فلا يمكن لنا إذن أن نحب الصلاح ولا نؤمن أن الله يحب الصلاح أيضًا. فكيف بنا نطمئن بإصابة وصحة حبنا للخير والصلاح إذا لم يطمئن قلبنا أولًا على حب الفاطر تعالى للخير والصلاح. ونرغب إرضاء الرب تعالى بفعل الخير والصلاح لطمأنينتنا أنه يحب الخير.كما أننا نصفه بصفات حسنة طيبة بناءً على اعتمادنا على صحة فطرتنا في حب هذه الصفات اعتماداً كلياً.
وثانيًا أن أصل الإيمان هو محبة الله تعالى. إننا نؤمن بمعبود، نحبه ونرجو منه ونبتغي رضاءه. وهذا لايمكن حتى نوقن أن ربنا تعالى طاهر من كل شائبة الظلم وعدم العدل. وأنه ينعم على مطيعيه ويعذب فقط من يستحق التعذيب. فإنه أمر مخالف تمامًا للطبيعة البشرية أن تحب سيداً ظالماً غير عادل:
والثالث الطلب الذي يظهر في فطرة الإنسان بعد التفكير في أنعم الله عز وجل وآلائه للإيمان به، بناؤه الشكر. وذلك يلزم عندما نتسلم أن ذلك مما يقتضيه إنعام الباري تعالى وهو حق المنعم الكريم. ومن هذا المنطلق يصطلح القرآن للشرك بظلم وللإيمان بشكر. وانطلاقًا منه فإن وجوب العدل هو البناء لاستحاق كل الحقوق. وهذه حقيقة بديهية للشريعة والقانون يعني القسط والعدل هما الأساس والبناء لكل شريعة.
الرابع الطاعة الإلهية هي ثمرة الإيمان وثمرة الطاعة هو رضاء الله تعالى. والله قد أقام هذه العلاقة بين الأفعال وبين ثمراتها وأثراتها، بطريق خلقه وتدبيره وبحكمه وأمره في كل ناحية وكل جانب. وقد تم إرشادنا من قِبله إلى ذلك بطريق مختلفة ،وبما أننا نعتمد اعتمادا ًكلياً على نتائج الأعمال هذه، ولذا فاعتمادًا على وعده تعالى نطيعه ونأتي بأمره. فإن لم نعتمد على أن الله تعالى لا يخلف وعده لتهدمت قائمة الأعمال من أساسها، ويكون كل الاعتماد عل أي أمرين. إما على شفاعة كاذبة كالنصارى الذين يعتمدون اعتمادًا كليًّا على المسيح عليه السلام فقط، يعبدونه ويحبونه حبا ًأكثر من الله. أو على حيرة اليهود وضلالهم الذين تركوا سفينتهم على الجانب المواجه للريح ولم يرتضوا بقضاء الله تعالى بسبب استكبارهم وحسدهم. كأنهم ليس عندهم ما يميزون به بين ما هو صالح وما هو طالح. فلأجل الاجتناب من هذا الضلال لزم أن نؤقن كل الإيقان أن الله هو قائم بالقسط، وكل وعده صادق وكل أمره عدل كما قد قال: وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا.(الأنعام:115) تدبر القرآن 2/55)
تعال ندرس الآن في ضوء ما قدمناه آنفًا السنن الإلهية:
1 – الابتلاء: إن الله خلق هذا العالم للابتلاء والامتحان. وقانون الابتلاء هذا من حيث القانون الكوني العام محيط بعالم الإنسانية كلها. فما هو وديع في طبيعة الإنسان يبرز بذلك الاختيار وتفتح كوامن النفس البشري بهذا كما تتعين درجات العلم والعمل به. وقد أخبرنا القرآن أن معمل الحياة والموت هذا قدتم وجوده ليميز الخالق الصالحَ المنقاد من المتستكبر المعاند. ولاشك أنه خبير وعليم بكل شيء، ولكن سنة الله الجارية في الخلق أنه لايعامل معهم معاملة العقاب والجزاء بناءً على مجرد علمه بل يتم ذلك بناءً على عمل الناس أنفسهم، وقد تم إقامة الابتلاء هذا فقط لهذا الغرض. كما قال: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور.(الملك:2)
فالحالات المختلفة التي يتعرض لها الإنسان في هذه الدنيا من الغم والراحة، والفقر والثروة والسراء والضراء، تطرأ وفقَ هذا القانون، يبلو بها الله تبارك وتعالى عباده ويميز الصحيح من السقيم بها. فمن شرّفه بإعطاء كنز أو ثروة أو بعز وجاه يبلوه هل يشكره عليه أم لا. ومن يبتليه بالفقر والمسكنة يبلوه بالصبر والبلاء، كما قال تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون.(الأنبياء: "(25)
يقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في موضع لتفسيره ما يلي:
"فمن يعطيه مالاً وجاهاً يعطيه أن ينظر هل يكونون بعد الحيازة بنعمة الله تعالى عباداً شاكرين متواضعين ومطيعين له، أو يصبحوا مستكبرين مرحين يَدعّون المساكين ويحتكرون نعم الله تعالى. كما إذا أعطي الفقر لأحد يؤتيه أن يعلم الصابر القانع بأنعم الله الحاصلة والراضي بقدره مكتفيًا بذاته في فقره، من القانط اليائس المتكسر الهمة ،الفاتر العزيمة الشاكي من قدره والغاضب من الله والذليل البئيس الذي أصابه الخور" (تدبر القرآن 3/60)
فزخارف الأرض كلها التي يشغف بها الإنسان مهيأة له لغرض الامتحان فقط. إنها ليست متعة العيش بل وسيلة للامتحان. قد وضع الله الإنسان فيها لكي يرى هل يحصل الإنسان عن طريقها على معرفة الله فيفوز هكذا بفلاح الآخرة ونجاحها أو يفتقد سبيله ضائعًا مغيبًا في متاع الأرض وزخرفها. كما قال تعالى:
اِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَی الْاَرْضِ زِیْنَۃً لَّہَا لِنَبْلُوَهمْ اَیُّہُمْ اَحْسَنُ عَمَلاً.(الکهف ۱۸: ۷)
يقول الأستاذ الإمام:
"إن هذه الدنيا دار للابتلاء ننظر فيها أيهم يطلب الآخرة إعمالًا لعقله وصلاحية تمييزه. وأيهم يصبح لها عابداً متبعًا أهواءه. ولقصد هذا الامتحان إننا لمعّنا وجهها ببودرة من الحسن والرواء والبهجة الخلابة. فهناك جذب كبير وخلب كثير في المال والأولاد، وفي الحرث والبيدر لها، وفي حدائقها ومنزهاتها وفي سياراتها وقصورها، وفي منازلها الرفيعة وقلاعها الشامخة وفي رئاساتها ووزاراتها. ولذاتها نقد عاجل ومراراتها مختفية. ومقابل ذلك إن كافة نجاحات الآخرة مخبوءة وطالبوها تصيبهم مصائب كبيرة لا تحصى لأجلها في هذه الدنيا نقدًا. وهذا الابتلاء ابتلاء شديد، إنجازه ليس بالمهمة السهلة سينجزه فقط أولئك الذين لهم حيازة على بصيرة تامة، أن لا يهمهم كم يقع هذا العالم في التظاهر بالتباهي، لكنهم يعرفون هذه العجوزة ذات ألف ختن، في كل طرازها وكل لباسها، ولمن لا يضحّون أبدًا نعماء الآخرة الأبدية بالوقوع في حبها الكاذب." (تدبر القرآن 4/558)
وهذا قانون عام للابتلاء. وله جانب خاص أيضًا بيّنه القرآن الدينونة التي تقوم من جانب الله القاهر كنتيجة لبعث الرسل. يفتن فيها أهل الإيمان والإسلام ببعض المحسن والشدائد التي لا تصيب عامة الناس في عامة الأحوال كما قال في مقام: اَحَسِبَ النَّاسُ اَنْ یُّتْرَکُوْٓا اَنْ یَّقُوْلُوْٓا: اٰمَنَّا، وَهمْ لَا یُفْتَنُوْنَ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِیْنَ مِنْ قَبْلِہِمْ، فَلَیَعْلَمَنَّ اللّٰہُ الَّذِیْنَ صَدَقُوْا وَلَیَعْلَمَنَّ الْکٰذِبِیْنَ.(العنکبوت: ۲۔۳)
وتظهر هذه الابتلاءات بعد إتمام الحجة من الرسل، وقبل العذاب العام لغرض التطهير والتمييز كما يظهر من ألفاظ الآتية: فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. ومدلول الآية هو التمييز عن موقف مخاطبي الرسل قبل القضاء المحتوم الأخير، وقد جاء ذلك في بعض المقامات الأخرى للقرآن أيضًا فقال في موضع آخر:
وَلَنَبْلُوَنَّکُمْ بِشَیْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوْعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْاَمْوَالِ وَالْاَنْفُسِ وَالثَّمَرٰتِ، وَبَشِّرِ الصّٰبِرِیْنَ الَّذِیْنَ اِذَآ اَصَابَتْہُمْ مُّصِیْبَۃٌ قَالُوْٓا: اِنَّا لِلّٰہِ وَاِنَّآ اِلَیْہِ رٰجِعُوْنَ.(البقرة: 155۔156)
2 – الهداية والضلالة
وقد مر من قبل أنه قد طُلب من الإنسان في هذا الابتلاء أن ينتخب الضلال ويختار لنفسه الهدى، وأخبرنا القرآن أن هذه الهداية قد تم توديعها في فطرة الإنسان. ثم إذا بلغ أشده يوجه إليه الكثير من علامات وآيات في الأرض وفي السماء. وسنة الله أنه إذا قدر الإنسان هذه الهداية ويستفيد بها ويشكر نعمته الله هذه المبذولة عليه، فإن الله تعالى يزيده إضاءةً ويؤلد فيه طلباً مزيداً للهداية، ويوفقه للإستماع بهدي الله الذي جاء به الأنبياء عليهم السلام. فقال تعالى:
نُوْرٌ عَلٰی نُوْرٍ، یَہْدِی اللّٰہُ لِنُوْرِہٖ مَنْ یَّشَآءُ، وَیَضْرِبُ اللّٰہُ الْاَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَاللّٰہُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیْمٌ.(النور: ۳۵) وقال في موضع آخر:
وَالَّذِیْنَ اهْتَدَوْا زَادَہهمْ هدًی وَّاٰتٰہُمْ تَقْوٰهمْ.(محمد: ۱۷)
وهذا إتمام الهداية وقد صرح القرآن صراحة تامةً أنه بغير مشيئة الله لا يأتي حتى طلبه في قلب أحد. ومشيئته متعلقة بالقانون الإلهي المذكور أعلاه، فإن الله عليم وحكيم إنه يؤتي هذه النعمة فقط للذين يقبلون هدايته الوديعة في فطرته كما قال:
اِنَّ هذِہٖ تَذْکِرَۃٌ، فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ اِلٰی رَبِّہٖ سَبِیْلاً، وَمَا تَشَآءُوْنَ اِلَّآ اَنْ یَّشَآءَ اللّٰہُ، اِنَّ اللّٰہَ کَانَ عَلِیْمًا حَکِیْمًا. یُّدْخِلُ مَنْ یَّشَآءُ فِي رَحْمَتِہٖ، وَالظّٰلِمِیْنَ اَعَدَّ لَہُمْ عَذَابًا اَلِیْمًا.(الدهر: ۲۹۔۳۱).
وإذا أعرض الإنسان عن هذه الهداية الفطرية ولم يستخدم عقله وينحرف عن الحق فهذا ظلم وفسق في اصطلاح القرآن، وإنه لا يهدي ظالماً ولا فاسقا ًبل يتركه يتيه في متاه الظلام والضلال. وَمَا کَانَ لِنَفْسٍ اَنْ تُؤْمِنَ اِلاَّ بِاِذْنِ اللّٰہِ، وَیَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَی الَّذِیْنَ لاَ یَعْقِلُوْنَ. (یونس: ۱۰۰)
وينتج منه أن المجرمين كهؤلاء ازدادوا عناداً ونفسانياً وتمادياً ويحرمون عن صلاحية التفكر والتعقل على طريق سوى بالمرة، حتى أن يختم الله على قلوبهم عقابًا لهذه الجريمة كما جاء في القرآن:
اِنَّ الَّذِیْنَ کَفَرُوْا سَوَآءٌ عَلَیْہِمْ، ءَ اَنْذَرْتَہُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْہُمْ، لاَ یُؤْمِنُوْنَ، خَتَمَ اللّٰہُ عَلٰی قُلُوْبِہِمْ وَعَلٰی سَمْعِہِمْ، وَعَلٰٓی اَبْصَارِہِمْ غِشَاوَۃٌ، وَّلَہُمْ عَذَابٌ عظِیْمٌ.(البقرة: 6۔7)
وقال في موضع آخر:
وَاَقْسَمُوْا بِاللّٰہِ جَہْدَ اَیْمَانِہِمْ لَئنْ جَآءَ تْہُمْ اٰیَۃٌ لَّیُؤْمِنُنَّ بِہَا، قُلْ، اِنَّمَا الْاٰیٰتُ عِنْدَ اللّٰہِ، وَمَا یُشْعِرُکُمْ اَنَّہَآ اِذَا جَآءَ تْ لاَ یُؤْمِنُوْنَ، وَنُقَلِّبُ اَفْئدَتَہُمْ وَاَبْصَارَہُمْ کَمَا لَمْ یُؤْمِنُوْا بِہٖٓ اَوَّلَ مَرَّۃٍ وَّنَذَرُہُمْ فِيْ طُغْیَانِہِمْ یَعْمَہُوْنَ. (الأنعام: ۱۰۹۔۱۱۰)
ويقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسير هذه الآية:
"وهذا بيان لسنة الله التي يحظى شخص بالإيمان تحتها ويحرم شخص منه. فمن تدبر في آيات الله المنتشرة في الكون والتي لا تحصى، وفي وجود الإنسان نفسه ويتشبث بنتائج بديهية حاصلة من ذاك التفكر والتدبر حظي بالإيمان. وعلى عكس من ذلك الذين يصرون في غيهم وتماديهم وضلالهم مع رؤيتهم كل آيات الكون وكل آيات الأنفس ولا يفتحون أعينهم مع التذكير القرآني والرسالي المتكرر يقلب الله أبصارهم وأفئدتهم ويحرمون من صلاحية النظر والفكر بالمرة. فلا يؤثر عليهم معجزة كبرى ولا آية عظيمة. وسنة الله في الناس الذين لا يرون نظرة سوية بل يعكسون نظرتهم، ولا يختارون صراطاً مستقيماً بل يتبعون السبل المنحرفة أن تزاغ قلوبهم و تزاغ فكرتهم كذلك، فأخذوا يرون الأشياء من الزاوية المخصوصة المعوجة فقط. وقد أشار الله تعالى إلى هذه السنة بقوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم: (الصف:5)
فأشار هنا إلى تلك السنة المعلومة وقال: وما يشعركم أن الآيات التي يطلبونها إذا جاءت يؤمنون. فإن الآيات متواجدة في الكون وفي الأنفس وأرشدهم القرآن إليها برفع الأصابع إليها، وأوضح دلائلها ومراميها ولكن لم يؤمنوا بها. فإذا لم ينتج شيء من ذلك في تقويم قلوبهم وأنظارهم أول مرة فكيف تقلبهم آية جديدة رأساً على عقب؟ حجاب اليوم كيف ينكشف غداً وعمي اليوم أين يذهب عند ظهور آية جديدة؟ فبطريق كانوا يجحدون آيات كثيرة باهرة حتى اليوم لئن جاءتهم آية جديدة ليجحدونها. وقلب الماهية الذي تجدهم عليه اليوم في قلوبهم وأبصارهم يعمل ذلك عند مجيئ آية أخرى أيضًا". (تدبر القرآن 3/140)
3- التكليف بما لا يطاق.
إنه لا يوجد حكم في شريعة الله التي أنزلها للناس بطريق أنبيائه ورسله خارج عن تحمل الإنسان. فإنه في كل أعماله لا يزال هذا المبدأ قائمًا أن لا يثقل الناس مما لا يتحملون، ومهما يجئ من حكم لهم يجئ متوافقاً مع الفطرة البشرية ومنسجمًا متناسقًا مع صلاحيات الإنسان. ولذا فلا مؤاخذة في هذه الشريعة على نسيان وسوء الفهم وعلى خطأ غير إرادي، وإنما تطلب من الناس العمل بأحكامها يكل صداقة ظاهراً وباطناً وبكل أمانة وديانة. فالآية: لايكلف الله نفسا إلا وسعها. (البقرة: 286) وما شابهها من الآيات تبين سنة الله هذه، إلا أنه لا يعني ذلك أنه إن تمادت العباد لا يكلفهم الله بها عند ذلك أيضًا. لا، فإنه يعلم من القرآن أن العباد يكلفون تكليف ما لا يطاق تأديباً وتربيتاً أحياناً (1) وتعذيباً (2) في وقت آخر أو لإراءة الناس سوءَ عاقبة أعمالهم السيئة (3) أو إظهارا ًلعجزهم في مقابلة الله تعالى.(4)
4- العزل والنصب
وتحت قانون الابتلاء الذي ذكر من قبل كما ينتخب الله أفرادًا مخصوصين لامتحان الصبر والشكر. ينتخب كذلك أقواماً وشعوباً. وإذا فاز قوم بالعلا نتيجةً لذلك الانتخاب لا يغير الله معاملة معه حتى يغير ذلك القوم وينحطوا في الدرجة السافلة علمًا وأخلاقًا. وهذه سنة الله التي لا تبديل لها. فإذا أراد الله بقوم سوءًا مطابقًا لسنته تلك، ومع تنبيهاته المتكررة فلا يرد إرادته أحد. وحتى قوة عالمية لايمكنها أن تساعد تلك الأمة مجابهةً لله تعالى. والتاريخ الإنسان الطويل يشهد لظهور هذه السنة في عزل ونصب الأمم والأقوام. فقال تعالى:
اِنَّ اللّٰہَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّٰی یُغَیِّرُوْا مَا بِاَنْفُسِہِمْ، وَاِذَآ اَرَادَ اللّٰہُ بِقَوْمٍ سُوْٓءً ا فَلاَ مَرَدَّ لَہٗ، وَمَا لَہُمْ مِّنْ دُوْنِہٖ مِنْ وَّالٍ.(الرعد ۱۳: ۱۱).
--------------------------------------------------------------
- اقرأ آية البقرة رقم 286 التي جاء فيها: ولاتحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا
- هذا المضمون عام في القرآن ورد في مقامات كثيرة فليراجع إليها.
- انظر القلم رقم الآية 42- والنساء:155
- البقرة 23-24
فقد قال إن هذه المعاملة سوف تتم مع كل أمة وانطلاقًا منه سيسود قوم ويواجه العقاب الشديدَ قوم آخر. ويشهد التاريخ أن أولاد حام وسام قد انتخبوا لذلك أولا ًومنذ نصف مليون سنة إن أولاد يافث قد تم انتخابهم لذلك، فهي أقوام وأمم أخيرة وعليها ستكون خاتمة التاريخ وبعد ذلك سوف تقوم القيامة: فقال:
وَاِنْ مِّنْ قَرْیَۃٍ اِلاَّ نَحْنُ مُہْلِکُوْہَا قَبْلَ یَوْمِ الْقِیٰمَۃِ اَوْ مُعَذِّبُوْها عَذَابًا شَدِیْدًا، کَانَ ذٰلِکَ فِي الْکِتٰبِ مَسْطُوْرًا.(بني إسرائیل: ۵۸)
5 – النصرة الإلهية
وإذا فوض الله مهمته الخاصة لشخص أو جماعة ويكلفها للقيام بها، ينصره نصرًا من عند الله. وقد تكون هذه المهمة مهمة الدعوة أو مهمة الجهاد والقتال. ومثلًا تبين الآية:كان حقا علينا نصر المؤمنين: (الروم:47) وما شابهها من الآيات هذا المضمون أكثر من مرة أن الله أوجب عليه نصر المؤمنين في الآيتين مهمة كهذه فقال:
یٰٓاَیُّہَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْٓا، اِنْ تَنْصُرُوا اللّٰہَ یَنْصُرْکُمْ وَیُثَبِّتْ اَقْدَامَکُمْ.(محمد: ۷).
ولا تكون هذه النصرة بالصدفة بل لها ضابطة تأتي متوافقة معها. ونريد أن نلقي بعض الأضواء على ذلك في هذا الكتاب نفسه فيما يأتي من المباحث تحت عنوان "قانون الجهاد" ولكن ليكن متضحًا هنا أن الصبر والتقوى هما أهم شيء لهذه النصرة. فعند وقعة أحد عندما شجع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن الله سينصرهم نصرًا مؤزرًا بثلاثة آلاف من الملائكة مردفين فقد أيد الله قوله وأضاف عليه ألفين من الملائكة لكن بشريطة أن يصبر المسلمون ويثبتوا ويتقوا الله فقال:
بَلٰٓی، اِنْ تَصْبِرُوْا وَتَتَّقُوْا وَیَاْتُوْکُمْ مِّنْ فَوْرِہِمْ هٰذَا، یُمْدِدْکُمْ رَبُّکُمْ بِخَمْسَۃِ اٰلٰفٍ مِّنَ الْمَلآئکَۃِ مُسَوِّمِیْنَ.(آل عمران ۳: ۱۲۵).
6 – التوبة والاستغفار
الإنسان إذا أتى بذنب فله سعة التوبة والاستغفار. وقد قال: كتب على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفوررحيم(الأنعام:54) والقاعدة في ذلك أن العباد إذا استغفروا الذنوب من فورهم غفر الله تعالى بالتأكيد. ولكن لمن يغفر للذين عاشوا طوال حياتهم غارقين في الذنوب، وإذا رأوا أن جاءهم الموت على عتبة بابهم أخذوا يتوبون، كما أنه لا يقبل توبة الجاحدين للحق جحوداً شعورياً وداموا عليه إلى حين الموت. ويبين القرآن هذه السنة الإلهية للتوبة والاستغفار فيما يأتي: ( اِنَّمَا التَّوْبَۃُ عَلَی اللّٰہِ لِلَّذِیْنَ یَعْمَلُوْنَ السُّوْٓءَ بِجَہَالَۃٍ ثُمَّ یَتُوْبُوْنَ مِنْ قَرِیْبٍ فَاُولٰٓئکَ یَتُوْبُ اللّٰہُ عَلَیْہِمْ وَکَانَ اللّٰہُ عَلِیْمًا حَکِیْمًا. وَلَیْسَتِ التَّوْبَۃُ لِلَّذِیْنَ یَعْمَلُوْنَ السَّیِّاٰتِ حَتّآی اِذَا حَضَرَ اَحَدَهمُ الْمَوْتُ، قَالَ: اِنِّي تُبْتُ الْئٰنَ، وَلاَ الَّذِیْنَ یَمُوْتُوْنَ وَهمْ کُفَّارٌ، اُولٰٓئِکَ اَعْتَدْنَا لَہُمْ عَذَابًا اَلِیْمًا.(النساء: ۱۷۔۱۸)
7 – الجزاء والعقاب
إن إعطاء الجزاء والعقاب بعد الموت حقيقة ثابتة، ولكن القرآن يخبرنا أن هذا العقاب ربما قد يتم في هذه الدنيا أيضًا. وذلك تمهيداً للعدالة الإلهية التي سوف تظهر أتم ظهور يوم القيامة. وصوره التي قد جاءت في أساليب متعينة هي كالتالي:
أولًا- إن طالبي الدنيا الذين يحيون ويموتون لها فقط، ويعيشون بدون مبالاة للآخرة يوفيهم الله حسابهم في الدنيا بإيتائهم مهما يريدون من متاع الدنيا وزخرفها وثمرة أعمالهم كلها من توهّم. كما قال:
مَنْ کَانَ یُرِیْدُ الْحَیٰوۃَ الدُّنْیَا وَزِیْنَتَہَا نُوَفِّ اِلَیْہِمْ اَعْمَالَہُمْ فِیْہَا وَهمْ فِیْہَا لاَ یُبْخَسُوْنَ.( هود ۱۱: ۱۵) وثانياً يأتي العذاب على منكري الرسول في هذه الدنيا بعد إتمام الحجة عليهم وينزل على متبعيهم بركات السماء والأرض. كما قال تعالى:
وَلِکُلِّ اُمَّۃٍ رَّسُوْلٌ، فَاِذَا جَآءَ رَسُوْلُہُمْ قُضِي بَیْنَہُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ یُظْلَمُوْنَ.(يونس: 47)
وهذه سنة الله التي لا تبديل لها فما يقص علينا القرآن من أحداث قوم لوط وقوم شعيب ومن إبادة جماعية لعاد وثمود هي قصة تلك الدينونة وحكاية ذاك العذاب الإلهي الذي نزل بهم، وهذه الدينونة أقيمت أخيرًا لقوم محمد صلى الله عليه وسلم ثم قضي عليها بالنهاية للأبد. وقال تعالى:
وَمَآ اَرْسَلْنَا في قَرْیَۃٍ مِّنْ نَّبِیٍّ اِلآاَخَذْنَآ اَهْلَہَا بِالْبَاْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّہُمْ یَضَّرَّعُوْنَ.ثُمَّ بَدَّلْنَا مَکَانَ السَّیِّئۃِ الْحَسَنَۃَ حَتّٰی عَفَوْا وَّقَالُوْا: قَدْ مَسَّ اٰبَآءَ نَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَاَخَذْنٰہُمْ بَغْتَۃً وَّهمْ لاَ یَشْعُرُوْنَ. وَلَوْ اَنَّ اَهلَ الْقُرآی اٰمَنُوْا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَیْہِمْ بَرَکٰتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْاَرْضِ، وَلٰکِنْ کَذَّبُوْا فَاَخَذْنٰہُمْ بِمَا کَانُوْا یَکْسِبُوْنَ: (الأعراف:96-95)
وثالثًا قد وعد الله لذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام أنها إذا قامت على الحق حصل لها إمامة الأقوام وقيادة الشعوب وإذا انحرفت منه عزلت من منصب السيادة وابتليت بعذاب الذل والهوان. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذاك العهد بقوله: أوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم(البقرة:40) وكما جاءت الإشارة إلى ذلك في تهديد "إن عدتم عدنا" في سورة بني إسرائيل: 8) وقد قال تعالى:
وَاِذِ ابْتَلی اِبْرٰہٖمَ رَبُّہٗ بِکَلِمٰتٍ فَاَتَمَّہُنَّ، قَالَ: اِنِّیْ جَاعِلُکَ لِلنَّاسِ اِمَامًا، قَالَ: وَمِنْ ذُرِّیَّتِیْ؟ قَالَ: لاَ یَنَالُ عَہْدِي الظّٰلِمِیْنَ. (البقرة: 124)
ولهذا الوعد الإلهي الخاص قد جاء قوله تعالى لبني إسرائيل خاصة كالتالي:
وَلَوْ اَنَّہُمْ اَقَامُوا التَّوْرٰۃَ وَالاْنْجِیْلَ وَمَآ اُنْزِلَ اِلَیْہِمْ مِّنْ رَّبِّہِمْ لَاَکَلُوْا مِنْ فَوْقِہِمْ وَمِنْ تَحْتِ اَرْجُلِہِمْ. مِنْہُمْ اُمَّۃٌ مُّقْتَصِدَۃٌ، وَکَثِیْرٌ مِّنْہُمْ سَآءَ مَا یَعْمَلُوْنَ.(المائدة:66) وكذلك تقص علينا صحف كافة الصحف المقدسة للأناجيل بتفاصيل ذلك.
فجاء في كتاب التثنية:
"وَإِنْ سَمِعْتَ سَمْعًا لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِيًا عَلَى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ،
وَتَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ الْبَرَكَاتِ وَتُدْرِكُكَ، إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ.
. مُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ
وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ.
. مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ
مُبَارَكًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمُبَارَكًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ.
يَجْعَلُ الرَّبُّ أَعْدَاءَكَ الْقَائِمِينَ عَلَيْكَ مُنْهَزِمِينَ أَمَامَكَ. فِي طَرِيق وَاحِدَةٍ يَخْرُجُونَ عَلَيْكَ، وَفِي سَبْعِ طُرُق يَهْرُبُونَ أَمَامَكَ.
يَأْمُرُ لَكَ الرَّبُّ بِالْبَرَكَةِ فِي خَزَائِنِكَ وَفِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ، وَيُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ.
يُقِيمُكَ الرَّبُّ لِنَفْسِهِ شَعْبًا مُقَدَّسًا كَمَا حَلَفَ لَكَ، إِذَا حَفِظْتَ وَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ وَسَلَكْتَ فِي طُرُقِهِ.
فَيَرَى جَمِيعُ شُعُوبِ الأَرْضِ أَنَّ اسْمَ الرَّبِّ قَدْ سُمِّيَ عَلَيْكَ وَيَخَافُونَ مِنْكَ.
وَيَزِيدُكَ الرَّبُّ خَيْرًا فِي ثَمَرَةِ بَطْنِكَ وَثَمَرَةِ بَهَائِمِكَ وَثَمَرَةِ أَرْضِكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِكَ أَنْ يُعْطِيَكَ.
يَفْتَحُ لَكَ الرَّبُّ كَنْزَهُ الصَّالِحَ، السَّمَاءَ، لِيُعْطِيَ مَطَرَ أَرْضِكَ فِي حِينِهِ، وَلْيُبَارِكَ كُلَّ عَمَلِ يَدِكَ، فَتُقْرِضُ أُمَمًا كَثِيرَةً وَأَنْتَ لاَ تَقْتَرِضُ.
وَيَجْعَلُكَ الرَّبُّ رَأْسًا لاَ ذَنَبًا، وَتَكُونُ فِي الارْتِفَاعِ فَقَطْ وَلاَ تَكُونُ فِي الانْحِطَاطِ، إِذَا سَمِعْتَ لِوَصَايَا الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، لِتَحْفَظَ وَتَعْمَلَ.
وَلاَ تَزِيغَ عَنْ جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، لِكَيْ تَذْهَبَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لِتَعْبُدَهَا.
«وَلكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ، تَأْتِي عَلَيْكَ جَمِيعُ هذِهِ اللَّعَنَاتِ وَتُدْرِكُكَ:
. مَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْمَدِينَةِ وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي الْحَقْلِ
. مَلْعُونَةً تَكُونُ سَلَّتُكَ وَمِعْجَنُكَ
. مَلْعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ، نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ
. مَلْعُونًا تَكُونُ فِي دُخُولِكَ، وَمَلْعُونًا تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ
يُرْسِلُ الرَّبُّ عَلَيْكَ اللَّعْنَ وَالاضْطِرَابَ وَالزَّجْرَ فِي كُلِّ مَا تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُكَ لِتَعْمَلَهُ، حَتَّى تَهْلِكَ وَتَفْنَى سَرِيعًا مِنْ أَجْلِ سُوْءِ أَفْعَالِكَ إِذْ تَرَكْتَنِي.
يُلْصِقُ بِكَ الرَّبُّ الْوَبَأَ حَتَّى يُبِيدَكَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا.
يَضْرِبُكَ الرَّبُّ بِالسِّلِّ وَالْحُمَّى وَالْبُرَدَاءِ وَالالْتِهَابِ وَالْجَفَافِ وَاللَّفْحِ وَالذُّبُولِ، فَتَتَّبِعُكَ حَتَّى تُفْنِيَكَ.
وَتَكُونُ سَمَاؤُكَ الَّتِي فَوْقَ رَأْسِكَ نُحَاسًا، وَالأَرْضُ الَّتِي تَحْتَكَ حَدِيدًا.
وَيَجْعَلُ الرَّبُّ مَطَرَ أَرْضِكَ غُبَارًا، وَتُرَابًا يُنَزِّلُ عَلَيْكَ مِنَ السَّمَاءِ حَتَّى تَهْلِكَ.
يَجْعَلُكَ الرَّبُّ مُنْهَزِمًا أَمَامَ أَعْدَائِكَ. فِي طَرِيق وَاحِدَةٍ تَخْرُجُ عَلَيْهِمْ، وَفِي سَبْعِ طُرُق تَهْرُبُ أَمَامَهُمْ، وَتَكُونُ قَلِقًا فِي جَمِيعِ مَمَالِكِ الأَرْضِ. (الإصحاح الثامن والعشرون) الآية رقم 1 إلى 25)
