الإيمان بالله
هُوَ اللّٰہُ الَّذِي لَآ اِلٰه اِلَّا هُوَ، عٰلِمُ الْغَیْبِ وَالشَّهادَۃِ، هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِیْمُ، هُوَ اللّٰہُ الَّذِي لَآ اِله اِلَّا هُوَ، اَلْمَلِکُ الْقُدُّوْسُ السَّلٰمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیْزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ، سُبْحٰنَ اللّٰہِ عَمَّا یُشْرِکُوْنَ، هُوَ اللّٰہُ الْخَالِقُ الْبَارِي الْمُصَوِّرُ، لَه الْاَسْمَآءُ الْحُسْنٰی، یُسَبِّحُ لَه مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِیْزُ الْحَکِیْمُ.(الحشر۵۹: 22-24)
والله اسم لمن هو خالق الأرض والسماء وخالق كل شيء. والألف واللام فيه للتعريف، وهو اسم ما زال مختصاً للخالق سبحانه، وقد كان يُستخدم في العرب في زمن الجاهلية في هذا المفهوم نفسه، قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو من بقية الدين الإبراهيمي الذي ورثه العرب. ومن ثم قال تعالى:
وَلَئِنْ سَاَلْتَهمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَیَقُوْلُنَّ: اللّٰہُ، فَاَنّٰی یُؤْفَکُوْنَ؟ اَللّٰہُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَّشَآءُ مِنْ عِبَادِہٖ وَیَقْدِرُ لَه، اِنَّ اللّٰہَ بِکُلِّ شَیْيءٍ عَلِیْمٌ. وَلَئنْ سَاَلْتَهمْ مَّنْ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَاَحْیَا بِه الْاَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَیَقُوْلُنَّ: اللّٰہُ، قُلِ: الْحَمْدُ لِلّٰہِ، بَلْ اَکْثَرُهمْ لَا یَعْقِلُوْنَ.(العنکبوت: 61-63)
والقرآن يقول إن إقرار ربوبية الله تعالى وديع في فطرة الإنسان منذ الأزل، كما يبين أن ذلك الإقرار قد تم في صورة عهد وميثاق. ذكره القرآن كأمر واقع، ولكن بما أن الإنسان قد بعث في هذا العالم لغرض الامتحان، ولذا قد تم محو ذاك الواقع من ذاكرته، ولكن قد بقيت حقيقة ثابتة في صفحة قلبه ومنقوش في داخل دماغه أن لا يمحوه شيء. ولذا إذا لم يكن هناك مانع في الخارج وذُكره الإنسان تذكيراً اندلع إليه من فوره كما يندفع الطفل إلى أمه. وهو لم يشهد نفسه يخرج من بطن أمه. ويندفع بيقين كأنه كان يعرفها من قبل. فالإنسان يشعر أن إقرار الإله استجابة لحاجة فطرية يتواجد اقتضاؤه فيه، فإذا وجد ذاك الاقتضاء نالت مع ذلك كل اقتضاءات النفس مكانها. ويقول القرآن إن شهادة باطن الإنسان هذه قطعية إلى حد، أن كل إنسان يكون مسؤولًا عند الله تعالى بمجرد هذه الشهادة كما قال تعالى:
وَاِذْ اَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِي اٰدَمَ مِنْ ظُهوْرِهمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَاَشْهدَهمْ عَلٰٓی اَنْفُسِهمْ، اَلَسْتُ بِرَبِّکُمْ؟ قَالُوْا: بَلٰی، شَهدْنَا اَنْ تَقُوْلُوْا یَوْمَ الْقِیٰمَة: اِنَّا کُنَّا عَنْ هٰذَا غٰفِلِیْنَ اَوْ تَقُوْلُوْٓا: اِنَّمَآ اَشْرَکَ اٰبَآؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَکُنَّا ذُرِّیَّة مِّنْ بَعْدِهمْ، اَفَتُهلِکُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُوْنَ؟ وَکَذٰلِکَ نُفَصِّلُ الْاٰیٰتِ، وَلَعَلَّهمْ یَرْجِعُوْنَ.(الأعراف ۷: 172۔174)
ومع هذا الإرشاد الباطني البشري فإن الإنسان قد أعطي أيضًا صلاحية استنباط الحقائق التي هي ما وراء حواسه إضافةً إلى مؤهلات السمع والبصر والإحساس بحواسها الظاهرة. ومثالها العام هو قانون التجاذب (Law of Gravitaiton)،
التفاحة حينما تنقطع من الشجرة فتنحط على الأرض. وإذا أردت التقاط حجرة من الأرض تفرغ لذلك الطاقة. والصعود يكون دائماً صعباً بإزاء الهبوط إلى الأرض. والأقمار والنجوم تسبح في الأفلاك. لا يزال الإنسان يشهد كل ذلك لقرون حتى اكتشف العالم نيوتن ذات يوم أن ذلك كله من جراء قانون التجاذب. وهذا القانون غير مشاهد بذاته. ولكن العالم المعاصر يسلمه كقانون علمي مسَلّم به، ووجه ذلك لأن هذا القانون يتوافق مع كل الحقائق المعلومة، ويُوجه كافة مشاهدات الإنسان توجيهاً موفقاً. ولم يأت بعد نظرية أخرى مثلها تتطابق مع الواقع لهذه الدرجة.
وظاهر أن هذا استنباط غير المحسوس من المحسوس. فإذا درس الإنسان الكون الممتد في ما حوله بإعمال صلاحيته هذه، فمطالعته تلك أيضًا تشهد لهذه الحقيقة المكنونة في باطنه. فيرى أن كل شيء لهذه الدنيا هو إظهار بارع ومؤشر عظيم على الخلق المبدع، وفي كل شيء له آية، ومعنوية عميقة، واهتمام كبير، وحكمة بالغة، ومنفعة كبيرة، ونظم عجيب، وترتيب تام، ورياضة لا نظير لها. لا توجيه لكل ذلك إلا أن هناك خالقًا كبيرًا وذاك الخالق ليس طاقة أصم وأبكم بل إنه ذهن كبير لا نهاية له ولا حد. فإن الطاقة إذ لم تصدر ولم تنفجر إلا من ذات عليم وحكيم وجب أن تكون جبرا ًمحضاً. إلا أن الحقيقة أنه ليس كذلك ،بل هناك توافق حكيم وانسجام عظيم في الخلق والإبداع، تحصل منه فوائد عجيبة كبيرة وتحدث تغيرات محيّرة. لا تحصل من طاقة أبكم وأصم. فالحقيقة التي لا تجحد أن لا يطمئن العقل البشري إلا بالإيمان بها. ولذا قال إن الإيمان بالله هو نور السماوات والأرض. ويكون من ذلك الصدر البشري مطلعًا للأنوار. وإن لم يكن هذا فيسظلم العالم وتسوَّد الدنيا. فقال:
اَللّٰہُ نُوْرُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، مَثَلُ نُوْرِہٖ کَمِشْکٰوۃٍ فِیْها مِصْبَاحٌ، اَلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة، اَلزُّجَاجَة کَاَنّها کَوْکَبٌ دُرِّي یُّوْقَدُ مِنْ شَجَرَۃٍ مُّبٰرَکَۃٍ زَیْتُوْنَة، لَّا شَرْقِیَّة وَّلَا غَرْبِیَّة، یَّکَادُ زَیْتُها یُضِیئٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْه نَارٌ، نُوْرٌ عَلٰی نُوْرٍ، یَہْدِي اللّٰہُ لِنُوْرِہٖ مَنْ یَّشَآءُ، وَیَضْرِبُ اللّٰہُ الْاَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَاللّٰہُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیْمٌ.(النور: ۳۵).
وهذه الشواهد وإن كانت كافيةً ولكن الله تعالى لم يكتف بها بل قام باهتمام مزيد عليها كي يتم الحجة، فقد بدأ بخلق البشرية بإيجاد وتكوين إنسان، سمع كلامه ورأى ملائكته وشهد الحقيقةَ الكبرى مباشرةً وارتحل من الدنيا شاهداً عليها. حتى ينتقل علمه هذا إلى أجياله القادمة جيلاً يعد جيل يتوارثه ذريته، ولا يكون التصور الإلهي تصوراً غريباً أجنبياً لأي عهد، لأي منطقة أرضية ولأي إقليم، لأي قرية ولأي صلب ولأي جيل أبدًا. وأفاد القرآن أن بعض المخلوقات الأرضية المتفوقة عليه قد أُمرت بعد ولادة آدم وحواء أن تسجد لهما.
وكان الهدف من ذلك إخبارهم بأن النجاح الحقيقي ليس في التولد من النور أو النار، بل هو في طاعة الله سبحانه والتسليم له. وقد ذكر القرآن أن تلك المخلوقات كلها قد سجدت لآدم انقيادًا لأمره تعالى ولكن إبليس أبى واستكبر وجحد من السجود. ثم قيل لآدم وحواء أن اسكنا في جنة جهزت لهم فيها كافة التسهيلات والضروريات، إلا أن شجرة منعت لهما، وكانت شجرة التناسل، ثمرتها وسيلة للبقاء في هذه الحياة الدنيا. فقد حرمها الله عليهما مع الانتباه أن إبليس هو عدو لهما مبين وأنه سوف يحاول لإغوائهما وتحريضهما على المعصية والعدوان. فكان كذلك، وجاءهما إبليس في لباس ناصح شفيق وقال لهما إن الحياة الخالدة والمُلك الأبد كامن في هذه الشجرة التي محرمة عليكما. ومن جراء هذا الترغيب والتحريص فإنهما قد رغبا إلى الإذعان له، وأكلا تلك الشجرة مغلوبين بالهيجان الشديد الذي يطرأ على الإنسان طمعاً في تلك الشجرة. فوضح من ذلك أن الامتحان الأكبر والابتلاء الأشد الذي يواجهه الإنسان في حياته، يتأتى من طريق الأنانية والجبلة الجنسية. ولذا أمرهما الله أن أخرجا من هذه الجنة واهبطا إلى الأرض. فندم آدم وحواء على ذلك وتوجها إلى الله سبحانه ووفق لهما التوبة وألقى إليهما كلمات مناسبة للتوبة وتاب الله عليهما. وقال تعالى:
وَاِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِکَة: اسْجُدُوْا لِاٰدَمَ فَسَجَدُوْٓا اِلآّ اِبْلِیْسَ، اَبٰی وَاسْتَکْبَرَ وَکَانَ مِنَ الْکٰفِرِیْنَ. وَقُلْنَا: یٰٓاٰدَمُ اسْکُنْ اَنْتَ وَزَوْجُکَ الْجَنَّة وَکُلاَ مِنْها رَغَدًا حَیْثُ شِئۡتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هٰذِہِ الشَّجَرَۃَ فَتَکُوْنَا مِنَ الْظّٰلِمِیْنَ. فَاَزَلَّهُمَا الشَّیْطٰنُ عَنْہَا فَاَخْرَجَهمَا مِمَّا کَانَا فِیْه، وَقُلْنَا: اهبِطُوْا، بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، وَلَکُمْ فِي الْاَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَّمَتَاعٌ اِلٰی حِیْنٍ، فَتَلَقّٰٓى اٰدَمُ مِنْ رَّبِّه کَلِمٰتٍ فَتَابَ عَلَیْه، اِنَّه هوَ التَّوَّابُ الرَّحِیْمُ.(البقرة: 34۔37)
ثم لم يكتف بذلك بل كان هناك اهتمام إلى برهة طويلة أن بني آدم إذا شاؤوا معرفة قبول إيمانهم وعملهم أو عدم قبولهما علموا ذلك، كأنه كان إيصال الحقيقة إلى درجة التجربة والمشاهدة لكل شخص في ذلك الزمان، كي يشتمل هو أيضًا في شهود الأبوين. وتكون صورته أن الناس قربوا قربانًا في حضرة الله تعالى، ونزلت نار من السماء وتأكل القربان إعلاماً لقبول ذلك كما تذكر الآية رقم 183 من سورة آل عمران، وكان قتل ابن آدم هابيل كنتيجة لواقع من هذا النوع. فذكرت الأناجيل أن هابيل كان راعيًا للغنم وقابيل كان فلاحًا. فذات يوم جاء قابيل بثمرة من حقله كقربان عند الله، وجاء هابيل بقربان مشتمل على الخروف المولود الأول وبعض من شحمه، فتقبل القربان من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فغضب عليه غضبًا شديدًا فقتله. وجاء ذلك في القرآن كما يلي:
وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَاَ ابْنَیْ اٰدَمَ بِالْحَقِّ اِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ اَحَدِهمَا وَلَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْاٰخَرِ. قَالَ: لَاَقْتُلَنَّکَ، قَالَ: اِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللّٰہُ مِنَ الْمُتَّقِیْنَ، لَئِنْ بَسَطْتَّ اِلَیَّ یَدَکَ لِتَقْتُلَنِي، مَآ اَنَا بِبَاسِطٍ یَّدِي اِلَیْکَ لِاَقْتُلَکَ، اِنِّيٓ اَخَافُ اللّٰہَ رَبَّ الْعٰلَمِیْنَ. اِنِّيٓ اُرِیْدُ اَنْ تَبُوْٓاَ بِاِثْمِي وَاِثْمِکَ فَتَکُوْنَ مِنْ اَصْحٰبِ النَّارِ وَذٰلِکَ جَزٰٓؤُا الظّٰلِمِیْنَ، فَطَوَّعَتْ لَه نَفْسُه قَتْلَ اَخِیْه فَقَتَلَه فَاَصْبَحَ مِنَ الْخٰسِرِیْنَ.(المائدة۵: ۲۷۔۳۰).
فاتضح من ذلك أن وجود الذات الإلهي هو حقيقة بديهية، ورث تصورها الإنسان من آبائه، والتي تشهد لها النفس والمادة كلاهما من وجودهها. ولكن ما هو الذات الإلهي؟ وما هي صفاتها؟ وما هي السنن التي عيّنها لذاته؟ فهذه التساولات تثور في ذهن الإنسان باللزوم إذا شاء معرفة ربه. وهذه المعرفة لا بد منها للإيمان. والقرآن إذ طلب الإيمان بالله فقد أجاب على تلك التساؤلات. فما هي إجابة القرآن؟ نذكرها فيما يلي:
