logo

خلافات في القرأة

خلافات في القرأة

القرآن ھو فقط الذي ثبت في المصحف والذي یتلوه معظم الأمة المسلمة بإستثناء بعض المناطق المغربیة. وماعدا ھٰذه التلاوة والقرأة التي تتم مطابقا لھا لاتعتبر قرآناً غیرھا ولا تقوم من حیث کونه قرآنا. فلایثبت ھٰذا السؤال من أساسه عندنا. ونفصل فیما یأتي مذھبنا ھٰذا: قال الله تعالیٰ:

سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى. (الأعلى: ٦-٧)

وأیضاً قال:

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. (القيامة: ١٦-١٩)

فإن المخطط الإلٰھي عن نزول القرآن وترتیبه وتدوینه الذي جاء في الآیات المذکورة یتلخص کما یأتي:

أولاً، لقد أخبر الرسول صلی الله علیه وسلم أنه بالطریقة التي یعطیٰ بھا القرآن لک نجماً نجماً وفق الحالات ھي الطریقة الصحیحة لمنحه. ولکن لیس لک أن تردد في حفظه وجمعه وترتیبه بسبب تلک الطریقة، الآن ھٰذه القرأة الجاریة له أثناء نزوله نستبدل بقراءة أخری له إذا اکتمل نزوله. فعند ذلک إن شاءت حکمة الله سبحانه بإزالة شیئ منه ینسخ ذلک منه ویُقرءکه الله سبحانه بحیث لایمکن فیه سھو ولا نسیان وتُمنحه في أکمل صورته وأتم.

ثانیاً: قد أخبر صلی الله عليه وسلم أن ھٰذه القرأة الأخری إنما تتم بعد جمعه بصورة کتابیة ویلزم لک اتباع تلک القراءة فقط ولایجوز لک قراءته وفق القرأة الأولیٰ.

وثالثاً: وأخبر أیضاً أنه إذا کانت ھناک ضرورة إلی شرح وتفسیر لإطلاقات القرآن في أي أمر من الأوامر سیتم ذلک أیضاً في ھٰذه المناسبة وھکذا سیتم ھٰذا كکتاب بعد جمعه وترتیبه وتفھیمه وتبیینه من قِبل من ینزله علیک سبحانه وتعالیٰ.

فھي القراءة الأخیرة للقرآن والتي یصطلح لھا ’’قراءة العرضة الأخیرة‘‘. وجاءت في الروایات أن جبریل الأمین یعرض علیه صلی الله علیه وسلم کل عام ما قد أنزل علیه من القرآن في شھر رمضان المبارک. وقد عرض علیه مرتین في عامه الأخیر من حیاته حین تمت العرضة الأخیرة. کما قال أبوھریرة: کان یعرض علی النبي صلی الله القرآن کل عام مرة، فعرض علیه مرتین في العام الذي قبض فیه. (صحیح البخاري، رقم: ٤٩٩٨)

وحینما ودع النبي صلی الله علیه وسلم العالَم کانت ھٰذه قراءته. وکان الخلفاء الراشدون بعده وجمیع المھاجرین والأنصار یتلون القرآن مطابقاً لھٰذه القرأءة. لاخلاف بینھم في ذلک، وقد سُمیت فیما بعد ’’بقراءة عامة‘‘ کما یقول أبوعبد الرحمن السلمي:

’’کانت قراءة أبي بکر وعمر وعثمان وزید بن ثابت والمھاجرین والأنصار واحدة، کانوا یقرءون القرأة العامة وھي القراءة التي قرأھا رسول الله صلی الله علیه وسلم علی جبریل مرتین في العام الذي قبض فیه، وکان زید1 قد شھد العرضة الأخیرة وکان یُقرء الناسَ بھا حتی مات. (البرھان للزرکشی ١/٣٣١)

فھٰذه القراءة ھي التي نالت تواترا قولیاً للمسلمین منذ الصحابة رضي الله عنھم. والدقائق والخفایا الفنیة للھجات العرب تؤخذ فیھا من روایة الحفص ولذا یصطلح علیھا العلماء بناءً علی ذلک ’’بقراءة الحفص‘‘. ولذلک یُتصور أن ذلک اختیار لھم مثل القراءات الأخریٰ، غیر أنھا ھي القراءة العامة. یتعارفھا السلف2 في عامة الأحوال بألفاظ تؤدي ھٰذا المفھوم کما مر من قبل فقد رُوي عن ابن سیرین: القراءة التي عرضت علی النبي صلی الله علیه وسلم في العام الذي قبض فیه ھي القراءة التي یقرؤھا الناس الیوم. (الاتقان، السیوطي ١/١٨٤)

1-ومن الممكن أن يحضرالموقع صحابة آخرون أيضا كما جاء ذلك في رواية لابن عباس عن عبد الله بن مسعود انظرالمعجم الكبير للطبراني رقم :12602

2-انظرللاستزادة في ذلك مقال "اختلاف القرأة  في كتابنا:مقامات

فإذا تدبرت في القرآن بضوء نظمه فتشھد لذلک الشواھد الداخلیة للقرآن بقطعیة کاملة. والعمل الذي قد عمله أکابر أھل العلم من المدرسة الفراھیة علی القرآن الکریم یبرھن برھنة تامة أن متن القرآن لایقبل قراءةً غیر ھٰذه القراءة العامة. وإذا شاء شخص أن یریٰ أمثلة لذلک فعلیه الرجوع إلی تفسیر ’’تدبر القرآن‘‘ للأستاذ الإمام أمین أحسن الإصلاحي في مواقع کثیرة. إنه بنفسه یصرح: ’’إنه قد تم إبعاد اختلاف القراءات أیضاً في ھٰذا التفسیر، إن القراءة المعروفة والمتواترة ھي التي ضُبط علیھا المصحف الذي بین أیدینا. ففي ھٰذه القراءة یتم تأویل کل آیة للقرآن وکل لفظة له في ضوء لغة العرب ونظم الکلام وشواھد القرآن أن لایحتمل شکا وشبھة. ولذا قد قمت بتأویل کل آیة بناءً علی ھٰذا القراءة وأقول بثقة کاملة إنه لایمکن تفسیر القرآن علی أساس غیر ھٰذه القِراءة بغیر تجریح بلاغة القرآن وحکمته ورقته ومعناه. (تدبر القرآن ٨/٨)

علی أنه قد یمکن أن يخالج في صدور بعض الناس روایة ’’السبعة الأحرف‘‘ التي وردت في مؤطا الإمام مالک کما یلی:

عن عبد الرحمن بن القاري أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب یقول: سمعت ھشام بن حکیم بن حزام یقرء سورة الفرقان علی غیر ما أقرؤھا وکان رسول الله صلی الله علیه وسلم أقرئنیھا فکدت أن أعجل علیه، ثم أمھلته حتی انصرف، ثم لبیته برداءه فجئت به رسول الله صلی الله علیه وسلم فقلت: یا رسول الله إني سمعت ھذا یقرء سورة الفرقان علی غیر ما أقرئتنیھا، فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: أرسله ثم قال: إقرأ یا ھشام، فقرأ القراءة التي سمعته یقرأ فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: ھکذا أنزلت. ثم قال لي: إقرأ فقرأتھا فقال: ھکذا أنزلت، إن ھذا القرآن أنزل علی سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تیسر منه.(رقم: ٥٦٧)

وھناک بعض الحقائق حول ھذه الروایة إذا وضعتھا أمامک اتضح لک أنھا روایة سخیفة واھیة غیر قابلة للاحتجاج بھا في ھذا المبحث الھام.

أولاً ھذه الروایة وإن جاءت في أمھات کتب الحدیث ولکن مفھومھا لغز لم یحلھا بعد أحد في تاریخ الأمة. وقد نقل السیوطي في کتابه ’’الاتقان‘‘ أقوالاً متعددة في تعیین معناھا ولکنه قد شعر بضعفھا کلھا واعترف في شرحه للمؤطا ’’تنویر الحوالک‘‘ إن هذه الروایة من جملة المتشابھات التي لایعلم کنھھا إلا الله فیقول:

’’وارجحھا عندي قول من قال: إن ھذا من المتشابه الذي لایُدری تأویله. (۱/۱٥۹)

وإن کان ھناک أی توجیه معقول لذلک فیکون أن تحمل ’’سبعة أحرف‘‘ علی مختلف لغات العرب ولھجاتھا. ولکن متن الروایة یرده أیضا لأن المختلفین فیھا عمر الفاروق وھشام بن حکیم کلاھما قرشي فکیف یُتصور أي خلاف بینھما.

الثالث: إن کان الخلاف یتصور بین أفراد القبائل المختلفة فکیف یوجه لفظة ’’أنزل‘‘ في ھذه الروایة لأن القرآن یصرح صراحة تامة أنه نزل بلسان عربي مبین بلغة قریش. وبعد ھذه الصراحة لک أن تقول إنه قد رخص وأجیز للقبائل المختلفة أن یقرؤه بلغاتھم ولھجاتھم المختلفة ولکن کیف نسلم أن الله تعالی ھو الذي أنزله في لغات مختلفة لقبائل مختلفة؟

الرابع: إن ھشاماً قد أسلم بعد فتح مکة. فإن قبلت ھذه الروایة فعلیک أن تعترف أن رسول الله صلی الله علیه وسلم کان یعلم القرآن لبعض الناس خفیة حتی بعد فتح مکة بطریق لم یعرفه کبار أصحابه مثل عمر علی خلاف ما کان یعلم لعشرین سنة علی أقل حد. وکانوا یسمعونه منه ویحفظونه في صدورھم وفي صحفھم. یمکن لکل شخص أن یتصور مدی خطورة ھذا القول وأین یمکن أن یقع ضربه.

وھذا الذي یقال عن روایات وآثار رویت عن جمع القرآن وتدوینه أولاً في عھد الصدیق رضي الله عنه ثم في عھد عثمان رضي الله عنه في کتب الحدیث والآثار. إن القرآن کما قدمنا في ابتداء البحث یصرح صراحة تامة أنه قد تم ترتیبه وتدوینه في حیاة النبي صلی الله علیه وسلم نفسه وبإرشاد من الله سبحانه مباشرا. علی أن ھذه الروایات تحکي حکایة أخری لایقبلھا القرآن ولا العقل العام. وجاءت في الصحاح أصلا من طریق محمد ابن شھاب الزھري وأيمة الرجال یتھمونه بالتدلیس والإدراج زد إلی ذلک ماوصفه الإمام اللیث بن سعد في رسالته إلی الإمام مالک. فإذا أخذنا بالاعتبار ما وصفه فلا تقبل إذن أیة روایة له في مثل ھذه الأمور المھمة جداً. فیقول اللیث:

’’وکان یکون من ابن شھاب اختلاف کثیر إذا لقیناه، وإذا کاتبه بعضنا فربما کتب في الشیئ الواحد علی فضل رأیه وعلمه بثلاثة أنواع ینقض بعضه بعضا ولایشعر بالذي مضی من رأیه في ذلک الأمر. فھو الذي یدعوني إلی ترک ما أنکرت ترکي إیاه. (تاریخ یحیی بن معین الدوري ٤/۱٠۹)

فھذه ھي حقیقة تلک الروایات والآثار، فصارا قطعاً أن القرآن له قراءة واحدة فقط، وأما القراءات الأخری التي تتواجد في کتب التفسیر أو تدرس في المدارس أو اختارھا بعض الناس في بعض المناطق فھي کلھا باقیة من الفتن التي لم تخل من أثراتھا شعبة من علومنا وبالأسف ولم تصن.

ویمکن أن تكون قد بدأت بسبب إصرار بعض الناس علی قرأة ما قبل العرضة الأخیرة وبسبب سھو ونسیان رواتھا فیھا ولکن بعد ذلک راجت سوقھا تحت بواعث الوضع والاختلاف في الحدیث لدرجة أن وجدت عشرات القراءات إلی اختتام دور بني أمیة.

فیحکی أن أبا عبید قاسم بن سلام المتوفی في ۲۲٤ ھجریة قد التقط منھا خمسا وعشرین قراءة في کتابه. والقراءات السبع المشھورة المتداولة الیوم قد انتقاھا أبوبکر بن مجاھد في زمن من أواخر القرن الثالث الھجري. فھذا مما یسلم به عموماً أن القراءات لایعین لھا عدد بل کل قراءة رویت بسند صحیح وتوافق موافقة محتملة بالمصاحف العثمانیة وتنسجم مع اللغة العربیة ولو بصورة ما تُعد قرآناً. وبعض منھا یقول لھا الناس متواترة علی أن النظر العابر في أسانیدھا المتواجدة في الکتب یحتم بغیر شبھة أنھا أخبارا آحادا فقط. وأکثر رواتھا مجروحون متھمون عند أيمة الرجال. فلایقبلھا صاحب نظر من حیث الحدیث فضلاً عن کونھا قرآناً متواتراً.