المقدمة-2
الدين الحق
إذا أردنا بيان حقيقة الدين في لفظة واحدة فهو عبادة الله تعالى في مصطلح القرآن فما يشاء خالق العالم أصلًا من عباده هو عبادته فقال تعالى:
وَمَا خَلَقْتُ الجْنّ وَالاِنْسَ اِلاَّ لِيَعْبُدُون (الذاريات: 56) وقد أبان القرآن في أكثر من مقام أن الله تعالى قد أرسل رُسله إلى الناس لإعلامهم بهذه الحقيقة فقد قال: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله اجتنبوا الطاغوت. (النحل: 36)
فما هو معنى العبادة هذه؟ يتضح ذلك إذا تدبر من هذه الآية نفسها من سورة النحل فإنها تأمر باجتناب الطاغوت في مقابلة عبادة الله وحده، وقد استعمل "الطاغوت" و"الشيطان" في القرآن في المعنى المترادف، فالطاغوت هو من يستكبر ويتمرد على الله سبحانه، وضد ذلك هو العبودية والذل كما هو ظاهر. فمعني العبادة عند أئمة اللغة هو: أصل العبودية الخضوع والتذلل. وهذا الشيء إذا حصل مع الشعور الصحيح لرحمة الله وقدرته وربوبيته وحكمته اختار صورة التذلل الشديد أمام الله مع حبه الشديد وخوفه الكبير. وجاءت ألفاظ كثيرة من القرآن للتعبير عن هذا الكيفية الداخلية التي تتولد في داخل الإنسان وتحيط بوجوده كلمه من أمثال: الخشوع والخضوع والإنابة والخشية والتضرع والقنوت وغيرها. كما أن التعبيرات الذكر والشكر والتقوي والإخلاص والتوكل والتسليم والتفويض والرضا كلها مظاهر باطنية للعلاقة بين العبد ومعبوده.
ومعنى ذلك أن العبد في هذه العلاقة مع الله تعالى يطمئن قلب بذكره ويشهد في نفسه أن مشاعر الشكر والامتنان له تتصاعد كالسيل الطامي، ويخاف من سخطه ويكون له كله ويعيش توكلًا عليه، ويسلم إليه كل أموره وكل وجوده، ويرتضى بقضائه فيه. وجاء القرآن بتصوير هذه المظاهر لظهور علاقة العبد لله سبحانه بقوله: إِنَّمَا یُؤْمِنُ بِآیَاتِنَا الَّذِیْنَ إِذَا ذُکِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا یَسْتَکْبِرُونَ. تَتَجَافَی جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ.(السجدة: 16)
فهذا الركوع والسجود والتسبيح والتحميد والدعاء والمناجاة والتضحية في سبيل الله رضاءً للرب تعالى هذا هو أصل العبادة. ولكن بما أن الإنسان له وجود فعلي تطبيقي أيضًا في هذا العالم وانطلاقاً منه.فإن هذه العبادة تتعلق بالوجود العملي له وهكذا تشتمل مع مظهر العبودية مظاهرَ الطاعة له. فحينئذ تتطلب من الإنسان أنه يجب أن يخضع ظاهره كما قد خضع له باطنه، ويجري ذلك على ظاهر الإنسان كما قد جرى في باطنه حتى لايستثنى منه جانب من جوانب حياة الإنسان، وفي تعبير آخر يكون العبد لله في كل معنى الكلمة كما قال تعالى:
ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلهم تفلحون: (الحج: 11)
وهذه العبادة إذا تقوم بتعيين الأساسات ما بعد الطبيعية والأخلاقية وتعيين المراسم وتقرر الحدود والقيود لإحسان العلاقة بين العبد وربه، ولتكميل مقتضيات هذه العلاقة في الدنيا فيعبر ذلك بتعبير القرآن بالدين. وصورة هذا الدين التي قد أوضحها الله بطريق أنبيائه يسميها القرآن "الدين" ويهدي العباد أن يقيموه وأن لا يتفرقوا فيه كما جاء في سورة الشورى: (13)([6])
شَرَعَ لَکُمْ مِّنَ الدِّیْنِ مَا وَصّٰی بِه نُوْحًا، والَّذِیٓ اَوْحَیْنَآ اِلَیْکَ، وَمَا وَصَّیْنَا بِه اِبْرٰھِیْمَ ومُوْسٰی وعِیْسٰٓی اَنْ اَقِیْمُوا الدِّیْنَ وَلَا تَتَفَرَّقُوْا فِیْه. (الشورى : ۱۳)
والأساسات ما بعد الطبيعية والأخلاقية التي جاءت لدين الله هذا، لهذه "العبادة" يعبرها القرآن بـ "الحكمة" ومراسمها وحدودها وقيودها بـ"الكتاب" أي القانون والتشريع كما جاء: وَاَنْزَلَ اللّٰہُ عَلَیْکَ الْکِتٰبَ وَالْحِکْمَة وَعَلَّمَکَ مَالَمْ تَکُنْ تَعْلَمُ، وَکَانَ فَضْلُ اللّٰہِ عَلَیْکَ عَظِیْمًا.(النساء (13) وَاذْکُرُوْا نِعْمَتَ اللّٰہِ عَلَیْکُمْ وَمَآ اَنْزَلَ عَلَیْکُمْ مِّنَ الْکِتٰبِ وَالْحِکْمَة، یَعِظُکُمْ بِه، وَاتَّقُوا اللّٰہَ وَاعْلَمُوْٓا اَنَّ اللّٰہَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیْمٌ.(البقرة: 231) ويعبر هذا الكتاب "بالشريعة": ثُمَّ جَعَلْنٰکَ عَلٰی شَرِیْعَة مِّنَ الْاَمْرِ فَاتَّبِعْھَا وَلَا تَتَّبِعْ اَھْوَآءَ الَّذِیْنَ لَا یَعْلَمُوْنَ.(الجاثية: 18)
ولا زالت الحكمة واحدة ولكن الشريعة ما زالت تتغير بتغير التمدن الإنساني والرقي فيه. كما قال: لِکُلٍّ جَعَلْنَا مِنْکُمْ شِرْعَة ومِنْھَاجًا، وَلَوْ شَآءَ اللّٰہُ لَجَعَلَکُمْ اُمَّة وَّاحِدَۃً. (المائدة: 48)
ويُعلم من دراسة الكتب الإلهامية أن التوراة تذكر الشريعة في الأكثر والإنجيل تذكر الحكمة. والزبور هو مزمور لتمجيد الرب تعالى في تمهيد تلك الحكمة، والقرآن نزل ببيان رائع أدبي جامع لكليهما، وكصحيفة الإنذار والبشارة، كما جاء ذلك بصورة واضحة في الآيات من البقرة والنساء التي مرت آنفاً، أما التوراة والإنجيل فقد قال الله تعالى فيهما في موضع متحدثاً عن كلامه لسيدنا المسيح عليه السلام في القيامة: وَاِذْ عَلَّمْتُکَ الْکِتٰبَ وَالْحِکْمَة، وَالتَّوْرٰۃَ وَالْاِنْجِیْلَ.(المائدة: ۱۱۰) والحكمة أساسياً تبحث عن مباحث تالية:
أولاً الإيمانيات
وثانياً الأخلاقيات
والمباحث التي جاءت تحت عنوان الكتاب هي كالتالي:
1 – قانون العبادات 2- قانون الاجتماع والعشرة 3- قانون السياسة. 4- قانون المعيشة. 5- قانون الدعوة. 6- قانون الجهاد. 7- الحدود والتعذيرات. 8- أحكام الأكل والشرب. 9- التقاليد والآداب. 10- أحكام القسم وكفارته.
فهذا هو الدين في مجموعه. ورسل الله الذين جاؤوا بهذا الدين هم أنبياء الله ويفيد القرآن أن بعضهم فازوا بمرتبة الرسالة أيضًا مع منصب "النبوة".
والنبوة عبارة عن وصول شخص منتخب من بني آدم للوحي من السماء. ولبشارة الناس بالعاقبة الحسنى للذين يؤمنون به وتحذيره الناس وإنذارهم بالعاقبة السيئة لمن يكفرون به. ويعبر القرآن ذلك بالإنذار والتبشير. كما قال: کَانَ النَّاسُ اُمَّة وَّاحِدَۃً فَبَعَثَ اللّٰہُ النَّبِیٖيّنَ، مُبَشِّرِیْنَ ومُنْذِرِیْنَ. (البقرة: ۲۱۳)
والرسالة أن يأتي نبي إلى قومه كمحكمة إلهية أن إذا كذّبه قومه نفذ عليه قضاء الله المبرم في هذه الدنيا، وتقوم غلبة الحق على قومه كما قال تعالى: وَلِکُلِّ اُمَّة رَّسُوْلٌ، فَاِذَا جَآءَ رَسُوْلُهمْ قُضِي بَیْنَہهمْ بِالْقِسْطِ، وَهُمْ لاَ یُظْلَمُوْنَ. (يونس: 147) وقال في موضع آخر:
اِنَّ الَّذِیْنَ یُحَآدُّوْنَ اللّٰہَ ورَسُوْلَہه، اُولٰٓئکَ فِی الْاَذَلِّیْنَ.کَتَبَ اللّٰہُ لَاَغْلِبَنَّ اَنَا ورُسُلِي، اِنَّ اللّٰہَ قَوِي عَزِیْزٌ. (المجادلة:20-21)
فهذا هو قانون الرسالة الذي قال عنه القرآن بالإشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً فقال: ھُوَ الَّذِیْٓ اَرْسَلَ رَسُوْلَه بِالْھُدٰی ودِیْنِ الْحَقِّ لِیُظْھِرَہٗ عَلَی الدِّیْنِ کُلِّه، وَلَوْکَرِہَ الْمُشْرِکُوْنَ.(الصف: 9) ۹)
وتكون صورته أن ينتخب الله رُسله لإظهار دينونته وتقوم القيامة الصغرى قبل القيامة الكبرى على الأرض. وينبه مخاطبوهم أنهم إذا قاموا بميثاقهم مع الله سبحانه يُجزون عليه جزاءً خيرًا وإن انحرفوا منه عوقبوا عليه في هذه الحياة الدنيا. وكنتيجةٍ لذلك القضاء الإلهي يكون وجود رُسل الله آيةً إلهيةً حيةً في الناس فالناس كأنهم يرون الله تعالى معهم، يمشي معهم ويقوم بالحكم. ويؤمر رُسل الله أنهم بما رأوا من آيات الله برأس أعينهم فعليهم أن يبلغوا على أساسها رسالات الله إلى قومهم تامةً قاطعةً. فهذه هي" الشهادة" في تعبير القرآن. إذا قامت تكون سبباً لقضاء الله في الدنيا والآخرة. فيغلب الله رُسله هولاء على قومهم وينزل عذابه على منكري دعوتهم، وانطلاقًا من ذلك فقد قال القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه شاهد وشهيد: اِنَّآ اَرْسَلْنَآ اِلَیْکُمْ رَسُوْلًا، شَاھِدًا عَلَیْکُمْ، کَمَآ اَرْسَلْنَآ اِلٰی فِرْعَوْنَ رَسُوْلاً. (المزمل ۷۳: )
ومنصب الشهادة هذا قد تم إعطاؤه لذرية سيدنا إبراهيم عليه السلام أيضًا علاوةً على الرُّسل. ومن هنا سماهم القرآن أمةً وسطاً بين رسل الله وعباده (البقرة:143)،وتحدث عنهم أنهم قد انتخبوا لهذا المنصب الجليل كما قد تم انتخاب بعض الشخصيات الجليلة من بني آدم للنبوة والرسالة فقال:
وَجَاھِدُوْا فِي اللّٰہِ حَقَّ جِھَادِہٖ، ھُوَ اجْتَبٰکُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِي الدِّیْنِ مِنْ حَرَجٍ، مِلَّة اَبِیْکُمْ اِبْرٰهیْمَ، ھُوَسَمّٰکُمُ الْمُسْلِمِیْنَ مِنْ قَبْلُ وفِي ھٰذَا لِیَکُوْنَ الرَّسُوْلُ شَھِیْدًا عَلَیْکُمْ وَتَکُوْنُوْا شُهدَآءَ عَلَی النَّاسِ.(الحج: ۷۸).
وقد أنزل الله تعالى كتبه مع أنبيائه ورسله عامةً. وبين القرآن أن إنزال الكتب يهدف إلى أن تكون ميزاناً للحق والباطل حتى يحكم الناس في خلافاتهم بهذه الكتب ويكونون قائمين بالقسط فقال تعالى: وَاَنْزَلَ مَعَھُمُ الْکِتٰبَ بِالْحَقِّ لِیَحْکُمَ بَیْنَ النَّاسِ فِیْمَا اخْتَلَفُوْا فِیْه.(البقرة: ۲۱۳) وقال:
وَاَنْزَلْنَا مَعَھُمُ الْکِتٰبَ وَالْمِیْزَانَ لِیَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.(الحدید: ۲۵)
وابتدأت سلسلة النبوة هذه من آدم عليه السلام واختتمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فبرحيله من الدنيا قد انسد باب الوحي والإلهام إلى الأبد واختتمت النبوة عليه كما جاء في سورة الأحزاب : (40)
فالعلماء بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم المسؤولون إلى يوم القيامة بإقامة الناس على الدين، ويقومون بفريضة "الإنذار" كما جاء في سورة التوبة: وَمَا کَانَ الْمُؤْمِنُوْنَ لِیَنْفِرُوْا کَآفَّۃً، فَلَوْ لَا نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَة مِّنْھُمْ طَآئفَة لِّیَتَفَقَّھُوْا في الدِّیْنِ ولِیُنْذِرُوْا قَوْمَھُمْ اِذَا رَجَعُوْٓا اِلَیْھِمْ، لَعَلَّھُمْ یَحْذَرُوْنَ. التوبة: ۱۲۲)
وقد فرض الله تعالى أن هذا الإنذار يكون بوسيلة القرآن فقال: فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد (ق45) وقال: وجاهدهم به جهادا كبيراً(الفرقان:52) وبناءً عليه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الآن نذير للعالمين جميعاً والعلماء بدورهم ليسوا إلا نائبين له، في عملية الإنذار قال تعالى: وأوحي التي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ(الأنعام:19) وقال تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ً(الفرقان:7) فهذا الدين هو الإسلام والذي قد قال الله عنه في كتابه إنه لا يقبل من بني آدم دينا غيره قال: اِنَّ الدِّیْنَ عِنْدَ اللّٰہِ الْاِسْلَامُ. .. ومَنْ یَّبْتَغِ غَیْرَ الْاِسْلَامِ دِیْنًا فَلَنْ یُّقْبَلَ مِنْه وَھُوَ فِي الْاٰخِرَۃِ مِنَ الْخٰسِرِیْنَ. (آل عمران: ۱۹، ۸۵)
ولفظ الإسلام كما هو مستعمل لدين الله كاملا ًيستعمل كذلك لظواهر الدين. وهو بظاهره هذا عبارة عن أشياء خمسة آتية:
- شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.
- أن تقام الصلاة
- وتؤتى الزكوة
- وأن يُصام صوم رمضان
- وأن يُحج بيت الله الحرام
والقرآن يؤكد لها في أكثر من مقام كما ذكرت كلها مجموعة في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ آتٍ:
الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت. رواه مسلم رقم 93)
وباطن الدين "الإيمان" وهو بدوره أيضًا عبارة عن أشياء خمسة فصلها القرآن وهي:
- الإيمان بالله
- الإيمان بالملائكة
- الإيمان بالأنبياء
- الإيمان بالكتب
- الإيمان بيوم الجزاء
فجاء في سورة البقرة: اٰمَنَ الرَّسُوْلُ
بِمَآ اُنْزِلَ اِلَیْه مِنْ رَّبِّه وَالْمُؤْمِنُوْنَ، کُلٌّ اٰمَنَ بِاللّٰہِ ومَلٰٓئکَتِه وَکُتُبِه ورُسُلِه، لَا نُفَرِّقُ بَیْنَ اَحَدٍ مِّنْ رُّسُلِه، وقَالُوْا: سَمِعْنَا وَاَطَعْنَا، غُفْرَانَکَ رَبَّنَا، وَاِلَیْکَ الْمَصِیْرُ.(۲: ۲۸۵)
وقد أشمل فيها النبي صلى الله عليه الإيمانَ بالقدر، خيره وشره، وهو أصلًا فرع للإيمان بالله، ثم بين الإيمانيات كالتالي: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره(رواه مسلم رقم : 93)
وهذا الإيمان إذا ثبت في القلب حقيقةً والقلب يصدقه فوجوده يقتضي شيئين:
الأول العمل الصالح
والثاني التواصي بالحق والتواصي بالصبر كما قال: وَالْعَصْرِ، اِنَّ الاْنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، اِلَّا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ،وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. (العصر: ۱۔۳).
والعمل الصالح كل عمل يتولد كنتيجة لتزكية الأخلاق. وأسسه كلها ثابتة بالعقل والفطرة، وقد نزلت شريعة الله لتهدي الإنسان للعمل الصالح هذا.
أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فأريد به أن يأمر الإنسان بعضه بعضا بالثبات على الحق والتناصح له. وهذا مما يقتضيه التسليم للحق اقتضاءً بديهيا وقد عبر القرآن بمصطلح "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أيضًا. أي تلقين الناس في البيئة القريبة بمعروفات يدل عليها العقل والفطرة ونهي الناس عن منكرات عقلية وفطرية. فقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُوْنَ وَالْمُؤْمِنٰتُ بَعْضُھُمْ اَوْلِیَآءُ بَعْضٍ، یَاْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ ویَنْھَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ.(التوبة: ۷۱)
وكل مسلم مسؤول عن الإتيان بهذا الاقتضاء بباعث النصح والخير. فإنه لا تتم هذه المسؤولية بدون هذا الشعور وبغير روح صحيح للدين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. (رواه مسلم رقم : 196)
فهذه هي مطالبات الإيمان من المسلمين في الحالات العامة. ولكن ربما تطرأ على الإنسان حالات خاصة نظراً إلى الأوضاع الخارجية في هذا العالم. فبرعايتها تتولد مطالبات ثلاثة أخرى غيرها للإيمان وهي كما يأتي:
الأول الهجرة
والثاني النصرة
والثالث القيام بالقسط
فإن كان المؤمن يواجه صعوبات خطرة في القيام بعبادة الرب تعالى. إنه يُعذب لأجل دينه ولايمكن له حتى إظهار إسلامه فحينئذ يقتضي منه إيمانه أن يهاجر من مكانه إلى مقام آخر، يمكن له فيه أن يعمل بدينه علانيةً. ويسميه القرآن الهجرة. وحينما دعي الناس إلى الهجرة مباشرةً من الله ورسوله في الزمان الرسالي فوعد القرآن بجهنم الذين يُعرضون عن الهجرة :كما جاء في سورة النساء:
اِنَّ الَّذِیْنَ تَوَفّٰھُمُ الْمَلاٰئکَةُ ظَالِمِي اَنْفُسِھِمْ، قَالُوْا: فِیْمَ کُنْتُمْ ؟ قَالُوْا: کُنَّا مُسْتَضْعَفِیْنَ فِي الْاَرْضِ. قَالُوْٓا: اَلَمْ تَکُنْ اَرْضُ اللّٰہِ وَاسِعَة فَتُھَاجِرُوْا فِیْھَا،فَاُولٰٓئِکَ مَاْوٰھُمْ جَھَنَّمُ وَسَآءَ تْ مَصِیْرًا. (النساء:97 )
وبهذه الطريقة إذا كان الدين يحتاج إلى إقدام لنشر دعوته أو حفظ كيانه فيطلب الإيمان أن يُنصر الدين بالمال والنفس. ويعبر القرآن هذه العملية بنصرة الدين. فلما احتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نصرة الدين بعد أن قامت سلطته في المدينة المنورة وطلب من الناس أن يقوموا بالجهاد والقتال، فدعا هم القرآن إلى ذلك على موقعة بأسلوب آتي وقال:
یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، ھَلْ اَدُلُّکُمْ عَلٰی تِجَارَۃٍ تُنْجِیْکُمْ مِّنْ عَذَابٍ اَلِیْمٍ ؟ تُؤْمِنُوْنَ بِاللّٰہِ ورَسُوْلِه وَتُجَاھِدُوْنَ فِي سَبِیْلِ اللّٰہِ بِاَمْوَالِکُمْ وَاَنْفُسِکُمْ، ذٰلِکُمْ خَیْرٌ لَّکُمْ، اِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ. یَغْفِرْلَکُمْ ذُنُوْبَکُمْ ویُدْخِلْکُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِیْ مِنْ تَحْتِھَا الْاَنْھٰرُ ومَسٰکِنَ طَیِّبَۃً فِي جَنّٰتِ عَدْنٍ، ذٰلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِیْمُ. وَاُخْرٰی تُحِبُّوْنَھَا، نَصْرٌ مِّنَ اللّٰہِ وفَتْحٌ قَرِیْبٌ، وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِیْنَ. یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا،کُوْنُوْآ اَنْصَارَ اللّٰہِ کَمَا قَالَ عِیْسَی ابْنُ مَرْیَمَ لِلْحَوَارِیّٖنَ: مَنْ اَنْصَارِيٓ اِلیَ اللّٰہِ؟ قَالَ الْحَوَارِیُّوْنَ: نَحْنُ اَنْصَارُ اللّٰہِ.(الصف: 10-14)
ومهما حصلت من جهود تجديدية وحركات إصلاحية لحفظ الدين وبقائه في السلف والخلف، قامت كل ذلك وفاءً بهذا المقتضى الديني. فهذه النصرة هي المأخذ لكل الجهود الإصلاحية لساناً وقلماً، سيفاً وسناناً ودرهماً وديناراً في تاريخ الأمة كلها. ويطلب القرآن إنه إذا حان وبدا هذا المقتضى للإيمان فلا يعز على عبد مؤمن أي شيء دنيوي مقابلاً له. ولذا قال القرآن عندما بدت هذه المرحلة في الدعوة المحمدية فقال:
قُلْ: اِنْ کَانَ اٰبَآؤُکُمْ واَبْنَآؤُکُمْ واِخْوَانُکُمْ واَزْوَاجُکُمْ وَعَشِیْرَتُکُمْ واَمْوَال ُنِ اقْتَرَفْتُمُوْھَا وَتِجَارۃٌ تَخْشَوْنَ کَسَادَھَا وَمَسٰکِنُ تَرْضَوْنَھَآ اَحَبَّ اِلَیْکُمْ مِّنَ اللّٰہِ وَرَسُوْلِه وجِھَادٍ فِي سَبِیْلِه فَتَرَبَّصُوْا حَتّٰی یَاْتِي اللّٰہُ بِاَمْرِہٖ، وَاللّٰہُ لاَ یَھْدِي الْقَوْمَ الْفٰسِقِیْنَ.( التوبة: 24)
ثم إذا جاءت العواطف البشرية والتعصبات والمصالح والأهواء تحرفه من جادة العدل والإنصاف في أية معاملة للدنيا والآخرة، فهذا الإيمان نفسه يتقاضاه أن العبد المؤمن وليس فقط ما يزال يقوم على الحق والعدل، بل إذا طلبا منه الشهادة أنجز طلبهما بتضحية النفس والنفيس في سبيل ذلك. يقول بالحق ما دام حياً ويسلم للحق وينصف، ويشهد له ولا يختار أي شيء سوى الحق والإنصاف عقيدةً وعملاً. وهذا هو القيام بالقسط في مصطلح القرآن قال تعالى في ذلك:
یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، کُوْنُوْا قَوّٰمِیْنَ بِالْقِسْطِ، شُھَدَآءَ لِلّٰہِ، وَلَوْعَلٰٓی اَنْفُسِکُمْ اَوِالْوَالِدَیْنِ وَالْاَقْرَبِیْنَ، اِنْ یَّکُنْ غَنِیًّا اَوْ فَقِیْرًا فَاللّٰہُ اَوْلٰی بِھِمَا، فَلَا تَتَّبِعُوا الْھَوٰٓی اَنْ تَعْدِلُوْا، وَاِنْ تَلْوٗؤٓا اَوْ تُعْرِضُوْا فَاِنَّ اللّٰہَ کَانَ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِیْرًا.( النساء: ۱۳۵) وقال في موضع آخر:
یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، کُوْنُوْا قَوّٰمِیْنَ لِلّٰہِ، شُھَدَآءَ بِالْقِسْطِ، وَلاَ یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَاٰنُ قَوْمٍ عَلٰٓی اَلاَّ تَعْدِلُوْا، اِعْدِلُوْا ھُوَ اَقْرَبُ لِلتَّقْوٰی، وَاتَّقُوا اللّٰہَ، اِنَّ اللّٰہَ خَبِیْرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ. ( المائدة ۵: ۸)
إن المقصد الذي يهدفه هذا الدين هو "التزكية" في مصطلح القرآن. والتزكية يعني تربية فكر الإنسان وإنماء عمله إنماءً صحيحًا بطريق تزكية حياته الفردية والاجتماعية. والقرآن يؤكد في أكثر من موضع أن الجنة المعلاة والمُلك الخالد الذي وصفه القرآن بحالة "راضية مرضية" هما نصب عينه. ويضمن القرآن للصول إلى ذلك الفوز العظيم لمن يزكى نفسه في هذه الحياة الدنيا فقال:
قَدْ اَفْلَحَ مَنْ تَزَکیّٰ وَذَکَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلّٰی. بَلْ تُؤْثِرُوْنَ الْحَیٰوۃَ الدُّنْیَا، وَالْاٰخِرَۃُ خَیْرٌ وَّاَبْقٰی. (الأعلیٰ: 16-17)
وعليه فالتزكية هي الغاية التي يرمي إليها الإنسان والمقصد الذي تم لحصوله بعث الأنبياء والرسل، وقد نزل الدين كله لكي يرشد الإنسان لبلوغ ذلك المقصود ولوصول تلك الغاية كما قال تعالى:
ھُوَ الَّذِیْ بَعَثَ فِی الْاُمِّیّٖنَ رَسُوْلًا مِّنْھُمْ، یَتْلُوْا عَلَیْھِمْ اٰیٰتِه ویُزَکِّیْھِمْ ویُعَلِّمُھُمُ الْکِتٰبَ وَالْحِکْمَة.( الجمعة: 2)
والطريقة التي يجب على متبعي هذا الدين للعمل به هي طريقة الإحسان. والإحسان أن تأتي يعمل على أحسن وجهه. فإذا حصل عمل ما مقرون فيه الإحسان روحاً وقالباً باتزان كامل. وبرعاية كل أجزائه رعايةً تامةً ويعتبر الإنسان أثناء ذاك العمل كأنه في الحضرة الإلهية فهناك يتم الإحسان. كما قال تعالى:
وَ مَنْ اَحْسَنُ دِیْنًا مِّمَّنْ اَسْلَمَ وَجْھَه لِلّٰہِ، وَھُوَمُحْسِنٌ، وَّاتَّبَعَ مِلَّة اِبْرٰہِیْمَ حَنِیْفًا. (النساء: ۱۲۵)
وقد أوضح الإحسان النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوبه البليغ كما يلي:
الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. (رواه مسلم رقم الحديث: 23)
