logo

معرفة النبي

معرفة النبي

وشخصية النبي تكون مظهراً أتم للإنسانية ودعوته تقوم على فطرة الإنسان. الحيوان كلها تنبع من شيئين: ذكر الله ومؤانسة الفقراء والمساكين. والنبي بنفسه يقوم بهذين ويدعو الآخرين إلى القيام بهما. وماذا يقول للناس يقوله قائمًا على درجة نهائية للعقل والبصيرة، ويقوله في أشياء أصبح الإنسان غافلًا عنها أو قد نسيها عمومًا. ثم إن نبوة النبي والرسول لا تكون لها خلفية من الأخذ والاكتساب فلا يعرض للإنسان سليم العقل أي أشكالية في معرفته. فإن كان الإنسان متيقظًا يكون لها وجه النبي وصورته كمثل معجزة. وقال تعالى: قُل لَّوْ شَاء  اللّٰهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَیْکُمْ وَلاَ اَدْرَاکُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِیْکُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ اَفَلاَ تَعْقِلُونَ.(يونس: 16)

ولكن مع ذلك يعطي الله النبي آيات بينات لم تُبق للمعاندين الخصوم إلا أن يصدقوها وإن لم يقرّوها باللسان. وانطلاقًا من هذا فقد قال تعالى في مقام عن أهل الكتاب في الزمن الرسالي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به.(النساء:159) وهذه الآيات الباهرات البينات يعطاها كل نبي ورسول متلائمة لزمانه وحالاته. ونذكر بعضها فيما يأتي.

1- يأتي نبي في عامة الأحوال مطابقًا لتنبؤات نبي قبله ومصداقيةً لها. فلا يكون شخصًا أجنبيًّا غريبًا. الناس يتعارفونه وينتظرونه أيضًا. كما قد صرح عن المسيح عليه السلام أنه كان قد نادى له سيدنا يحيى عليه السلام في البيت المقدس قبل بعثته (آل عمران:39) وقد جاءت بشارات عن النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل كليهما (الأعراف:157) وقد جاء أن من مقاصد بعثته المسيح عليه السلام الهامة البارزة هو التبشير بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم (الصف: 6) وقد قدم القرآن كبرهان قاطع على صداقته أن علماء بني إسرائيل يعرفونه كما يعرف الأب المهجور ابنه الموعود المنتظر.(الأنعام:20) ومعنى ذلك أنهم كانوا يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة تامةً كما قال: وَإِنَّهُ لَتَنزِیْلُ رَبِّ الْعَالَمِیْنَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِیْنُ. عَلَی قَلْبِکَ لِتَکُونَ مِنَ الْمُنذِرِیْنَ . بِلِسَانٍ عَرَبِیٍّ مُّبِیْنٍ. وَإِنَّهُ لَفِیْ زُبُرِ الْأَوَّلِیْنَ. أَوَلَمْ یَکُن لَّهُمْ آیَةً أَن یَعْلَمَهُ عُلَمَاء  بَنِیْ إِسْرَائِیْلَ.(الشعراء:192-197)

2-        ولا تضاد ولا تخالف فيما يقدمه النبي صلى الله عليه وسلم من الله من حيث الكلام الإلهي. ولا يأتي بهذا الدعوى الكبير عبقري من العباقرة إلى درجة نهائية أيًّا كان، من أمثال سقراط وفلاطون أو كانت أو آئن ستاين أو غالب أو إقبال أو الرازي والزمخشري في إبداع من إبداعاته. ولكن القرآن قال هذا القول في نفسه، وقاله بكل تأكيد إنه لا يوجد فيه تناقض تافه للفكر والخيال. فهل يكون هناك إنسان في الدنيا كان يتكلم ويخطب لسنوات عديدة على مواضع مختلفة متنوعة ،في حالات متباينة وعلى مواقع مختلفة، ثم إذا ما تم تدوين وترتيب تلك الخطب انصاغت في مجموعة كلام متوافق تمام التوفق منسجم تمام الانسجام. لا ترى فيه صدامًا للأفكار والأخيلة ولا لمحة من الكيفيات الحادثة في ذهن المتكلم، ولا أثرًا من آثار تبديل الرأي وتغيير وجهة النظر؟ هذه خصيصة القرآن وحده. فقال تعالى: أَفَلاَ یَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ کَانَ مِنْ عِندِ غَیْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِیْهِ اخْتِلاَفاً کَثِیْراً.(النساء: 82)

يقول الأستاذ الإمام:

" وكل مقولة للقرآن مستحكمة ومترابطة في أصولها وفروعها إلى درجة لم تكن صيغ الرياضة وقوانين الأقليدس مستحكمة كاستحكامها. فإن العقائد التي جاء بها هي متناسقة ومترابطة بعضها من بعض، أن نفرق واحدة منها فتنشر السلسلة الكاملة لها. والعبادات والطاعات التي يأمر بها هي تنبثق من تلك العقائد كما تتفرع الأغصان من الجذع. والأعمال والأخلاق التي يلقنها القرآن تظهر  من أصولها كما يظهر اللوازم الطبيعية الفطرية من الشيء. ونظام الحياة الذي يحدث من تعليمه الجماعي يبرز في صورة بنيان مرصوص. كل لبنة من لبناتها ترتبط وتلتصق بعضها من بعض، أن لا يمكن تجزئتها من الأخرى إلا بإحداث خلاء في البنيان كله". (تدبر القرآن:2/347)

3_ ويعطي الله تعالى النبي معجزات وخوارق. والمعجزات والخوارق التي مُنحت لسيدنا مسيح عليه السلام قد صرح القرآن نفسه فيها أنها أعطيت للدلالة على أشياء، ومنها كانت رسالة هؤلاء الأنبياء. فقد قال بعد ذكر العصا واليد البيضاء لموسى عليه السلام: فَذَانِکَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّکَ إِلَی فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ کَانُوا قَوْماً فَاسِقِیْنَ. (القصص: 32)

ولا يمكن لشخص أن يرد هذه المعجزات القاهرة بأنها نوع من السحر والساحرية، أو نقطة كمال للفن والعلم. لأنه لا يعرف كنه وماهية العلوم والفنون كهذه أكثر من البارعين فيها، والذين هم بدورهم اعترفوا عجزهم أمام المعجزات الربانية. وما ذكرنا آنفًا من معجزات موسى عليه السلام فقد أراد فرعون إزالة تأثيرها من الجماهير فقد أرسل إلى سحرة مملكته وقدم بهم أمام موسى لميقات يوم معلوم يوم عيدهم، وكان قد توقع الفتح ولكن إذا ما رأى السحرة أن عصى موسى قد التقم بما جاؤوا من سحر عظيم فألقي السحرة ساجدين وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون.

وبما أن إيمانهم قد انبعث بعد رؤية الحقيقة عيانا ًفكان راسخاً لدرجة أن لما تهددهم فرعون بقوله: فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جزوع النخل، فهولاء السحرة الذين كانوا قبل ثوان عديدة يلتمسون فرعون الأجر بإلحاح ولجاج (الأعراف:113) فاجؤوا فرعون بقولهم: لا نبالي بما تفعل بنا بعد رؤية هذه الآية لربنا: قَالُوا لَن نُّؤْثِرَکَ عَلَی مَا جَاءنَا مِنَ الْبَیِّنَاتِ وَالَّذِیْ فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِیْ هَذِهِ الْحَیَاةَ الدُّنْیَا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِیَغْفِرَ لَنَا خَطٰیٰنَا وَمَا أَکْرَهْتَنَا عَلَیْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللّٰهُ خَیْرٌ وَأَبْقَی.(طه:72-73)

والمعجزة التي أعطيها محمد صلى الله عليه وسلم من هذه الحيثية هو القرآن الكريم. فإذا قرأه الواقفون على أساليب بلاغة العربية والعالمون لرواية العلم والأدب لهذه اللغة، الحاملون للذوق الأدبي السليم أحسوا إحساساً قوياً بأنه ليس من كلام البشر. فإنه في آونة وأخرى قد تحدى مخاطبيه ومعانديه أن يأتوا بسورة مثله إن كانوا صادقين في زعمهم أن محمدًا يختلقه. فإن كان بإمكان فرد من قومهم أن يأتي بهذا العمل دون خلفية علمية وأدبية سابقة كما يزعمون، إذن لا يتحرجون في القيام بعمل كهذا. وكان دعوى القرآن هذا دعوى محيراً جداً فكان يعني أنه لا يمكن لذهن إنساني أن يبدع كلامًا مثله. فكان تحديًا من حيث فذاذة القرآن فصاحةً وبلاغةً ومن حيث براعة بيانه. وكان تحديًا أن يأتوا بكلام يتكلم فيه الإله مثل القرآن، ويوضح حقائق للبشرية إيضاحها، من أمس الحاجة لها والتي لم يفسرها كلام آخر ويرشد في معاملات وأمور لا توجد لها ذريعة أخرى برأسها للترشيد فيها،كلام يشهد له الوجدان وتصدقه مسلمات العلم والعقل. الذي يروي ويسقي القلوب الميتة رواء المطر الأرض الميتة. والذي له شأن وتأثير بالغ يشعر به قارئه إذا كان مطلعًا على لغته في كل لفظ من ألفاظه. ويشهد التاريخ أنه لم يجترئ أحد من مخاطبي القرآن أن يقبل ذاك التحدي كما قال: وَإِن کُنتُمْ فِیْ رَیْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَی عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاء کُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِیْنَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِیْ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْکَافِرِیْنَ.(البقرة: 23 – 24)

وكتاب الله هذا متواجد عندنا في يومنا هذا، مر عليه أربعة عشر قرنًا على أقل حد. والدنيا في أثناء هذه البرهة الطويلة قد تغيرت رأسًا على عقب، ووضع بنو آدم أصنامًا كثيرة للفكر والخيال ثم كسروها بأنفسهم، وجاءت تغيرات كبيرة في نظريات الإنسان للأنفس والآفاق، ومر الإنسان بمراحل كثيرة للترك والاختيار. فبأي الطريق مر وأخيرًا إلى أين وصل. ولكن هذا الكتاب بين كتب العالم لم يزل وما يزال كتابًا محكمًا ثابتا ًكما كان قبل أربعة عشر قرنًا من اليوم. الذي يبحث عن أكثر مما كان موضوعًا خاصًّا للبحث والتحقيق أثناء قرنين ماضيين. وكما كان العلم والعقل مضطرين إلى اعتراف العجز أمامه حينها يعترفان اليوم عجزهما كذلك. فكل بيانه بيان مبرح بكل شأنه ولم تسطع الدنيا مع كل اكتشافاتها العلمية أن تدخل فيه أي تعديل وتغيير. كما قال:وبالحق انزلناه نزل وما ارسلناك الا مبشرا ونذيرا.(بني إسرائيل:105)

4 – ومنها أن الله تعالى يطلع نبيه على بعض الأمور الغيبية التي لا يمكن أن يعلمها إنسان عادي. ومثال ذلك التنبؤات التي صدرت من الوحي الإلهي وصدقت كلها على طريقة محيرة وجاءت بعضها في القرآن وذكرت بعضها في الأحاديث والآثار، فمثلًا كل طالب للقرآن يقف على تنبؤات من غلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض العرب، وفتح مكة ودخول الناس أفواجًا في دين الله. وكان تنبؤ غلبة الروم على الفرس ثانيةً من بعد غلبهم كان تنبؤاً عجيباً وعظيماً. فقال: غُلِبَتِ الرُّومُ. فِیْ أَدْنَی الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَیَغْلِبُونَ. فِیْ بِضْعِ سِنِیْنَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَیَوْمَئِذٍ یَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ یَنصُرُ مَن یَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِیْزُ الرَّحِیْمُ. وَعْدَ اللَّهِ لَا یُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لَا یَعْلَمُونَ.(الروم: 2-6)

ولما جاء هذا التنبؤ ففي لفظ غِبن كاتب "انحطاط رومة" لم يكن تنبؤًا بعيد الوقوع مثل هذا التنبؤ لأن الاثني عشر عامًا السابقة لهرقل كانت تعلن وتنبئ عن القضاء المحتوم لسلطنة رومة(1) ولكن قد صدق صدقًا تامًا، ورجع إمبراطور الروم إلى عاصمة قسطنطنية في مارس 628 للميلاد بشأن فخم تجر عربته الملكية أربعة أفيال والكثير من الناس في خارج العاصمة ينتظرون قدومه حاملين السُّرج وأغصان شجرة الزيت تهنئةً وترحيباً ببطلهم.

  1.  انظر انحطاط روما لإيدورد غبن 2/788

5 – ومن الأنبياء من يفوز بدرجة الرسالة فيأتون كمحكمة الإلهية وودعوا الدنيا وقد قضي على قومهم. ويتم ذلك أن يأتي الرسول فإن كان قومه يقوم على ميثاق ربهم يُجزون جزاءه في هذه الدنيا وإن انحرفوا عنه عوقبوا عليه فيها، فيصير وجودهم آيةً إلهية ًكأن الناس ينظرون الله معهم يمشي على الأرض، يحكم ويقضي فيها. ويوفر ذلك أساسًا للقضاء الإلهي في الدنيا والآخرة، فيعطي الله الغلبة لرُسله عليهم، وينزل العذاب على  المنكرين لدعوتهم كما قال: ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لايظلمون.(يونس:47)