علامات القيامة:
ومتى يأتي هذا اليوم؟ فقد أوضح القرآن أنه: لا يعلمه إلا الله عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّيْ لَا يُجَلِّيْهَا لِوَقْتِهَا اِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ لَا تَاْتِيْكُمْ اِلَّا بَغْتَةً ( الأعراف:187) وطه: 15 وحم السجدة: 47
نعم قد جاء ذكر بعض آثارها وعلاماتها في القرآن والحديث وفي الصحف العتيقة. بعضها عامة وبعضها من نوع الأحداث والواقعات المتعينة. ولم يأت شيء من النوع الأول في القرآن وإنما جاء ذكرها في الأحاديث والروايات. وأما النوع الثاني فهناك شيء واحد ذكره القرآن وهو خروج يأجوج ومأجوج فهو إذن علامة يقينية. وعلاوة على ذلك هناك علامات وردت في الروايات والأحاديث الصحيحة على معيار المحدثين. وبعضها قد ظهر والبقية سوف تظهر بالتأكيد إذا كانت نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة.
والعلامات من النوع الأول قد تذكر الانحطاط الأخلاقي والتراجع الذي يحدث في العالم كله قبل القيامة. من رفع العلم وازدياد الجهل وتعمم الزنا وشرب الخمر وفشو القتل والغارة حتى أن يقتل الناس بغير أي جريمة لهم. وقل الرجال وكثرت النساء بكثرة كاثرة أن يملك رجل واحد خمسين من النساء. وبقي الأشرار في العالم وتخلو الدنيا ممن يذكر الله. (جاءت نصوص تذكر كل ذلك في كل من البخاري رقم: 80-81 ومسلم رقم: 375-6785- 724).
ومن أهم العلامات من النوع الثاني هو خروج يأجوج ومأجوج فقال القرآن: اِذَا فُتِحَتْ يَاْجُوْجُ وَمَاْجُوْجُ وَهُمْ مِّنْ كُلِّ حَدَبٍ يَّنْسِلُوْنَ . وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَاِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ اَبْصَارُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِيْ غَفْلَةٍ مِّنْ هٰذَا بَلْ كُنَّا ظٰلِمِيْنَ. (الأنبياء: 96-97)
ويأجوج ومأجوج هما من أولاد يافث بن نوح عليه السلام الذين سكنوا في شمال آسيا. وبعض القبائل التي لها انتماء إليهم قد وصلت إلى أوروبا أولًا ولأميركا ولأستراليا ثانيًا. وتعرف بهم صحيفة حزقي إيل بتسمية ملك الروس وتوبالسك فيقول:
وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلًا:
«يَا ابْنَ آدَمَ، اجْعَلْ وَجْهَكَ عَلَى جُوجٍ، أَرْضِ مَاجُوجَ رَئِيسِ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ، وَتَنَبَّأْ عَلَيْهِ
وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا عَلَيْكَ يَا جُوجُ رَئِيسُ رُوشٍ مَاشِكَ وَتُوبَالَ.
(سفر حزقي إيل باب 38: -2-3)
ويعلم من مكاشفة يوحنا العارف أن بداية خروج اليأجوج والمأجوج ستكون بعد ألف سنة من بعثة النبي (ص). وفي ذلك الوقت سوف يحيطون بالأرض من أطرافها الأربعة. فإذا بلغ شرهم ذروته نزلت نار من السماء وزلزلت زلزلة القيامة. يقول العارف في رؤياه:
"ومتى تمت الألف سنة، يطلق الشيطان من السجن، ويخرج ليضل الأمم الذين في الأرض بأطرافها الأربعة، أي يأجوج ومأجوج، فيضلهم ويجمعهم ويخرج للحرب. فيكون عددهم كرمل البحر، فينتشرون على كل الأرض ويحيطون بجند القديسين وبالمدينة الحبيبة [86]، فتنزل نار من السماء وتأكلهم (الرؤيا 20: 7-9)
86. «جيش الأولياء» يشير إلى المدينة المنورة، و«عزيز شهر» يشير إلى البلد الأمين مكة المكرمة. هذه التفسيرات واضحة جدًّا لدرجة أن الشخص المطلع على أسلوب الكتب المقدسة الموحى بها وتاريخ هذه المدن لا يجد صعوبة في فهمها.
وقد تعين هذا الزمان نفسه من علامات وردت في حديث جبرئيل أتاه في صورة إنسان يعلمهم دينهم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إجابة على تساؤله:
"أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. (رواه مسلم رقم 93)
والعلامة الثانية منها واضحة كل الوضوح ويراها بأم عينيه كل شخص ،ظهرت على أرض العرب. نعم قد أشكل على الناس تعيين مصداقية العلامة الأولى. وعندنا تصدق لهذه العلامة القضاء على العبودية كإدارة مستقلة، وقد وقعت الوقعتان في زماننا هذا في وقت متقارب جدًّا ولذا هذا التنبؤ أيضًا يعين زمان قرب يوم القيامة.
والعلامات التي سوف تظهر بعد ذلك قد بينهما النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا في موضع واحد بشمول خروج اليأجوج والمأجوج فقال:
"إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب والدخان والدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها. ونار يخرج من قعر العدن ترحل الناس. وريح تلقي الناس في البحر.(مسلم رقم الحديث: 7286)
ومدلول الحديث أن هناك عشر آيات للقيامة لم تقم القيامة مالم تظهر كل هذه الأشراط وهي كالتالي:
1 – خسف الأرض في الشرق.
2 – خسف الأرض في المغرب.
3 – وخسف الأرض في جزيرة العرب.
4 – الدخان ويمكن أن يراد به انفجار ذري كبير.
5 – الدجال وهو اسم صفة من الدجل وهو الدلس والمكر. ذكر أيضًا باسم المسيح الدجال. ويعنى أنه يجيء ماكر كبير عند قرب يوم القيامة بدعوى كونه المسيح. واستخدامًا لتصورات رائجة للقدوم الجديد للمسيح عند أهل الإسلام واليهود والنصارى يلبس الكذاب الماكر على الناس من خلال بعض أفاعيله الساحرة الخلابة. وقد جاء في بعض الروايات أنه يكون أعمى العين اليمنى ويتوضح كفره ودجله لأهل الإيمان لدرجة كأنه يرونه قد كتب على جبينه" الكافر" كما رواه البخاري رقم 1882 ، 3439 و 7131)
6 – ودابة الأرض والتي تتولد من الأرض مباشرة كما تولدت سائر المخلوقات في بداية الكون.
7 – خروج يأجوج ومأجوج وهذا قد بدأ فعلًا ويتقدم تدريجًا إلى نقطة عروجه.
8 – وطلوع الشمس من المغرب.
9 – نار تخرج من قعر عدن وتعود الناس.
10 – وريح تلقي الناس في البحر.
وعلاوة على ذلك ظهور المهدي ونزول المسيح عليه السلام من السماء من بين أشراط الساعة. ولم نذكرها. ووجه ذلك أن روايات ظهور المهدي لم تثبت على معيار النقد الحديثي فبعضها ضعيف وبعضها موضوع. ولا شك أنه قد أخبر بمجيء خليفة جواد راشد في بعض الروايات التي إسنادها مقبول (رواه مسلم رقم 7318) ولكن إذا تأملتها بدقة نظر يتضح منها بوضوح كامل أن مصداقيها قد ثبت في حق عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي كان خليفةً راشداً في آخر خير القرون ثبوتًا تامًّا، فلا حاجة إذن لانتظار مهدي موعود. أما نزول المسيح عليه السلام فإن روايات نزوله والتي قبلها المحدثون في عامة الأحوال ولكنها كلها تصير محل نظر إذا رأيتها ودرستها بنظرة قرآنية.
أولاً لأن القرآن الكريم قد تحدث عن شخصية المسيح عليه السلام من جوانب مختلفة وعلق على شخصيته ودعوته في أماكن متعددة، وزلزلة يوم القيامة أيضًا موضوع خاص للقرآن. ورفع رسول جليل القدر كعيسى حيًّا إلى السماء ثم نزوله إلى الأرض هو حدث ضخم ولكن مع تواجد مناسبة بيان تلك الواقعة لم يشر إليها القرآن في مكان ما، كيف يطمئن العلم والعقل على سكوت القرآن عن ذلك؟ وليس سهلًا والله الإيمان به.
وثانيًا لأن القرآن في سورة المائدة قد فعل محادثة لعيسى عليه السلام مع الله تعالى. ففي تلك المقابلة سوف يسأله الله عن منطلق ضلال المسيحيين: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" فيجيبه: سبحانك ما قلت لهم إلا بما أمرتني به، وكنت عليها شهيدًا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم. فإن كان المسيح قد ينزل مرة ثانية في هذه الدنيا فهذه الجملة الآخيرة من الآية الكريمة غير مطابقة للحال تماماً. فإنه كان عليه أن يقول نعم وأنا أعلم جيداً ما أحدثوا من ضلال كبير وقد أنذرتهم آنفًا منذ فترة وجيزة. وقال تعالى: مَا قُلْتُ لَهُمْ اِلَّا مَا اَمَرْتَنِيْ بِه اَنِ اعْبُدُوا اللّٰهَ رَبِّيْ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيْدًا مَّا دُمْتُ فِيْهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِيْ كُنْتَ اَنْتَ الرَّقِيْبَ عَلَيْهِمْ واَنْتَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٌ. (المائدة 117)
وثالثًا جاءت تلك المناسبة مرة أخرى في سورة آل عمران حيث يتحدث الله سبحانه عن مشروعه وخطته في المسيح عليه السلام ودعوته ومتبعيه إلى يوم القيامة، إذن كانت المناسبة ملائمة لأن يصرح الله له إني مرسله مرة أخرى إلى الدنيا. ولكن الله لم يصرح ذلك ولم يشر إلى ذلك. فإذا كان المسيح آتيًا من جديد فلماذا هذا السكوت؟ لا وجه له والله وإليكم الآية بكاملها: وإذ قال الله اِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَرَسُوْلُه وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوا الَّذِيْنَ يُقِيْمُوْنَ الصَّلٰوةَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكٰوةَ وَهُمْ رٰكِعُوْنَ (المائدة: 55)
