logo

نظم الكلام

نظم الكلام

 وثامنًا أن القرآن لكل سورة منه نظم متعين للكلام. وليس هو مجموعة للإرشادات المتفرقة والهدايات المتباينة. بل له موضوع خاص ومعظم آياته تتعلق به، بترتيب حكيم ومناسبة مترابطة. فإذا درست كل سورة له من خلال وضع هذا الموضوع في المقدمة عند الدراسة، واتضح نظامها اتضاحًا تامًّا برعاية الموضوع، رأيتَ أنها تتكون بذلك وحدة جميلة جدًّا. وما هي قيمة وقدر ذاك النظم؟ يقول عنه الأستاذ الإمام أمين أحسن:

"إن هذا الخيال عن النظم أنه من قسم اللطائف العلمية فقط ولا قيمة له اعتبارًا بمقصد أصلي للقرآن خطأ محض. وعندنا القيمة الأصلية للنظم تقع في الوصول إلى معارف القرآن وحكمته إذا أمكن، يمكن أن يكون من خلال نظمه فقط، فمن يقرأ القرآن بدون إرشاد للنظم جل ما يحصل عليه هو الأحكام المفردة والهدايات الشتى المفترقة.

نعم قد تكون قيمة كبيرة للأحكام المفردة والهدايات الجزئية لكتاب أعلى وأرفع ولكن شتان ما بين أن تعلم تأثيرات وخواص للحشائش من أي كتاب المفردات الطبي وبين أن يقوم طبيب حاذق بترتيب نسخة ذات تأثير بالغ قوي. ويمكن أن تكون التوابل المستخدمة في بناء "التاج محل" (1) قد استخدمت في العديد من المباني المتفرقة حول العالم، ولكن "التاج" هو التاج وحده. فأقول بلا شبهة أن الألفاظ والتراكيب التي تركب منها القرآن الكريم هي تتصل على كل حال باللغة العربية، باللسان العربي ولكن الترتيب اللاهوتي للقرآن قد أضفر عليها جمالًا وكماًلا يقارنه شيء على وجه الأرض.

  1.  يشير إلى أجمل البنايات وأمتعها في العالم ،والذي بناه الملك المغولي المسلم شاه جهان في بلدة آغرة بالهند مقبرةً تذكارية ًلزوجته الحبيبة "ممتاز محل"بعد موتها.

وكما تكون شجرات عائلية تكون كذلك شجرات للحسنات وللمساوئ. وربما نخال حسنة أنها تافهة ولكنها تتصل بعائلة من الخيرات التي تتفرع عليها كافة الحسنات الكبيرة، وأحيانًا نعتقد سيئة حقيرة غير أنها تتعلق بأسرة من المساوئ، تتفرع منها الأمراض والمهالك كافة. ومن يريد أن يتفقه حكمة الدين لابد له من معرفة المراحل والمراتب للخير والشر معرفة جيدة، ولا يخاف أن يضع في اعتباره المرض الذي يشعر إلى عسر الهضم مقدمةً للبرد ويعتقد علاج حدوث البرد كحالة من عسر الهضم. وهذه الحكمة القرآنية لا تتوضح من أجزاء كلامه بل من نظم كلامه كليًّا. فالذي يعرف آيات لسورة من القرآن ولكن لا يعرف النظم الحكيم لتلك الآيات، لا يقف على تلك الحكمة المشار إليها آنفًا. وكذلك قد أوضح القرآن الكريم دلائل الأنفس والآفاق أو دلائل تاريخية على المبادئ الأصولية في سور مختلفة. وهذه الدلائل قد بينت بترتيب حكيم تام. فمن وفق على ذاك الترتيب المتناسق إذا تلا تلك السورة تلاوةَ تدبر أحس وشعر كأنه قد قرأ خطبة جامعة مستدلة تشرح الصدر، وعلى عكس منه الذي لا يعرف ذاك الترتيب فهو يحرم تمامًا من حكمة السورة مع أنه يعرف الأجزاء: (تدبر القرآن: 1/20-21)

ثم إنه قد أوضح أهمية النظم من ناحيتي الاجتماعية والسياسية كما يأتي:

"وكل شخص يعلم أن هذه الأمة اجتمعت شرازمها وجمعت كلمتها بطريق القرآن الكريم، وبحبل الله المتين وأمر المسلمون كلهم أن يجتمعوا ويتشبثوا بهذا الحبل تشبثًا محكمًا، وأن لا يتفرقوا. والمقتضى الفطري لهذه الهداية أن الخلافات المتولدة بيننا مهما كانت، نرجع إلى القرآن للحسم فيها ولكن من سوء حظنا أن آراءنا لم تتفق في القرآن أيضًا، فهناك أقوال كثيرة في تأويل آية واحدة يناقض بعضها بعضًا، ولا يوجد عندنا شيء يفصل فيها أيها قول حق. وإن كان هناك خلاف في تأويل كلام فأكبر شيء يطمئن إليه القلب في رفع ذاك الخلاف سياق ذاك الكلام وسياقه لا غير. ولكن المصيبة الأعظم في القرآن أن الناس لا يعتقدون فيه نظمًا. فكانت النتيجة أن أي خلاف ثار بيننا قد أرسخ عَلمه وغرّز رأيته. والكثير من اختلافات الفقه الإسلامي قد ثارت بعدم النظر في الكلام برعاية النظم وسياق الكلام، وإلا إذا لاحظنا السياق ونظم الكلام لوجدنا أن المقامات الكثيرة بحيث لا يوجد فيها متسع  لإطلاقات أخرى ما عدا قول واحد.

والأخطر من الاختلافات الفقهية هو ضلالات الفرق الضالة. فمعظم الفرق الضالة التي ولدت فينا قد استدلوا بآيات القرآن نفسها. قد قطعوا آية من سياقها وسباقها ثم وضعوا لها معنىً جاء لهم. والظاهر أنه يسع لك أن طبقت معاني كثيرة إذا أردت بعد بت الكلام عن سياقه وسباقه، وربما تكون بعض تلك المعاني مما لا يتصورها القائل أبدًا. وإن لم أخف طول الكلام يمكن لي أن أحيل إلى آيات كثيرة، تستخدم في الخطابات والكتابات ليس فقط في المعنى الخاطئ بل في المعاني المضللة جدًّا. ولا يوفق أحد أن يتجشم النظر في أية مناسبة قد جاءت الآية، وما هو سياقها وسباقها. فإن عندهم كما قلت، ليس هناك سؤال لنظم الكلام وتناسب الآيات في القرآن من أساسه. " (تدبر القرآن 1/21-22)

فوضح من ذلك أن الشيء الذي يجعل القرآن برهانًا قاطعًا ويثبت له أحقية ما قاله الإمام الفراهي.:

"القرآن لا يتحمل إلا تأويلًا واحدًا (رسائل الإمام الفراهي: 23) هو نظم القرآن وحده. ويقول الأستاذ الإمام في تفسيره في ذلك:

وبما أني أعرت لنظم الكلام أهمية كبيرة في تفسيري هذا ولذا إني أخطرت قولًا واحدًا في كل مكان، بل إن أردت بيان الحقيقة في تعبير أصح لقلت إني اضطررت لأختار قولًا واحدًا، لأنه بعد رعاية نظم الكلام لم يكن هناك إمكان لشخص أن يتيه في أودية مختلفة، والقول الصحيح الثابت يظهر منقحًا بطريقة أنه إذا لم يكن المرء أصم وأعمى متعصبًا يمكنه أن يضحي بحياته ولكن لا يحتمل الانحراف عنها. ( تدبر القرآن 1/22)

وهذا النظم للقرآن هو الذي من سببه، حين تحدى القرآن مخاطبيه فقد تحداهم للإتيان بسورة أو أكثر وليس لإتيان آيات متفرقة كما قال تعالى: وَاِنْ کُنْتُمْ فِیْ رَیْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلٰی عَبْدِنَا فَاْتُوْا بِسُوْرَۃٍ مِّنْ مِّثْلِه وَادْعُوْا شُھَدَآءَ کُمْ مِّنْ دُوْنِ اللّٰہِ،  اِنْ کُنْتُمْ صٰدِقِیْنَ.(البقرة ۲: ۲۳)  ) وقد قال في موضع آخر:

اَمْ یَقُوْلُوْنَ : افْتَرٰہُ،  قُلْ،  فَاْتُوْا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِہٖ مُفْتَرَیٰتٍ وَّادْعُوْا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ دُوْنِ اللّٰہِ، اِنْ کُنْتُمْ صٰدِقِیْنَ.(هود ۱۱: ۱۳)

وقد قام أئمة المدرسة الفراهي في تفاسيرهم ببرهنة هذا النظم بطريقة لم تترك مجالًا للبحث والنقاش في وجود أو عدم وجوده، ولكن ما هو نوعية هذا النظم؟ نفصلها فيما يأتي بصورة نكات متعددة.

 1 - لكل سورة موضوع يؤلف بين أجزائها ويوحدها. والذي يؤلف مضمون السورة ويسري في وجود كل سورة مثل الروح.

2 – وتحوز كل سورة عامة بتمهيد وخاتمة. ويمكن لما توسيع مضمون السورة في بعض السور إلى فصول وجمل، وإلى جمل فقط في بعضها. والجمل تبرز وقفات المضمون والفصول تبرز تغيراته، كما أن آيات التمهيد والخاتمة أيضًا تقسم إلى جمل باعتبار المضمون في بعض المقامات.

3 – وهذه الجمل لا تشكل كلامًا مربوطًا بطريقة ربط الآيات بل يتعلق بعضها من بعض بأساليب التمثيل، التعليل، التأصيل، التكميل، السؤال والجواب، التفريع، النتيجة والإيراد، التنبيه والتقابل والتشابه، العود على البدء الاستدراك والجوانب الأخرى مثلها، وتجعل السورة كلامًا مربوطًا.

4 – ويبلغ مضمون السورة في هذه الجمل والفصول إلى تمامه بارتقاء تدريجي. فتحصل السورة بنتيجة ذلك صورة مفردة ومتعينة وتصير في وجودها وحدة كاملة تامة من كل جانب.