logo

العفة

العفة والحشمة


الأمر الرابع هو أن لا يقترب رجل الزنا. ووجه ذلك أن الزنا فاحشة صريحة وممارسة فظيعة تعد من المنكرات الفاحشة التي لا تحتاج إلى دليل على بشاعتها وفجورها. وكانت الطبيعة البشرية لم تزل وما تزال تعتبره دائمًا إثمًا كبيرًا وجريمة فظيعة ولا ترضيها إلا أن تمسخ مسخًا قاطعًا. والحقيقة التي لا تجد أن مؤسسة الزواج هي حاجة ماسة للإنسان مثل احتياجه إلى الماء والهواء. ولا تثبت ولا ترسخ هذه الإدارة مع المشاعر الصحيحة الطبيعية إلا أن تدوم العلاقة الزوجية بين الزوجين علاقة دائمة مستمرة. فإذا زال هذا الجانب المهم تولد منه قطيع حيوانات سائبة خال من العواطف الطبيعية والروحية ولا يتواجد مجتمع صالح وحضارة طيبة منها. ويقول في ذلك أبو الأعلى المودودي صاحب "تفهيم القرآن" "إن كون الزنا سيئًا أخلاقيًّا أو كونه إثمًا ديانة أو كونه ممارسة فضيعة مما أجمع عليه المجتمعات البشرية كلها حتى اليوم. ولم يختلف منه إلا القلة القليلة الذين أصيبوا بتعبيد النفس أو الذين يعتقدون خطأهم فلسفة. ووجه هذا الإجماع الدولي أن الطبيعة البشرية بنفسها تتقاضي حرمة الزنا. فإن بقاء الجنس البشري وقيام التمدن الإنساني يتوقفان على أن لا يكون المرء حرًّا والمرأة حرة في اللقاء الجنسي ثم التفرق. بل يجب أن تكون العلاقة الجنسية بين كل زوجين قائمة على العهد المستمر المستقل بينهما الذي يستلزم الوفاء به ويكون معروفًا مشهودًا في المجتمع، ويضمن المجتمع لبقائه. فإنه لا يدوم النسل البشري بدونه ليوم واحد. لأن طفل الإنسان لحياته ولنشوئه ونمائه البشري يحتاج إلى ربوبية مشفقة وتربية طويلة إلى مدة أعوام. والمرأة الوحيدة لا تسطيع بمفردها أن تتحمل هذا العبء إلى أن يصاحبها المرء الذي كان سببًا لتوليد ذاك الطفل. وهكذا لا يوجد تمدن ولا حضارة بدون معاهدة كهذه، لأن التمدن الإنساني إنما يجيء في حيز الوجود بهذه الاتفاقية التي بموجبها يجتمع امرؤ مع امرأة، ويشكلان معاً بيتًا ينتج علاقات ودية، ورابطات أخوية حميمة فيما بين الأسر. فإذا كان المرء والمرأة يباشران فقط للاستلذاذ مع الحرية الكاملة بصرف النظر عن خلق بيت وأسرة لأفضى ذلك إلى أن يتفرق الناس كلهم وتتمزق الحياة الاجتماعية، ولا يبقى أساس تبتنى عليه هذه البناية الشامخة للحضارة والتمدن. فسبب هذه الوجوه فإن علاقة المرء بالمرأة الحرة التي لا تبنى على عهد وفاء معلوم ومعروف، تعارض الفطرة البشرية. ومن هنا فلم يزل الإنسان يعتقدها عيبًا كبيرًا وسبة مشينة ودعارة وإثمًا كبيرًا في المصطلح الديني.

(تفهيم القرآن: 3/319)

ولأجل هذه الشناعة لهذه العملية لم يقل الله فقط أن "لا تزنوا" بل قال: لا تقربوا الزنا" وذلك يعني إيجاب التجنب من كل ما يبعث على الزنا ويرغب فيه ويوصل إليه. وآداب اختلاط المرء والمرأة التي جاءت في سورة النور تسهدف إلى تجنيب الإنسان من أشياء كهذه. وهي تتمخض في وجوب غض المرء والمرأة كليهما مما يتقاضاه الجسد والنفس غضًّا زائدًا، وستر عوراتها وستر مظان الربية لهما سترًا وافيًا، وأن لا يأتيا بأمر باعث على الاهتزاز الجنسي والإغراء الجسدي لهما. لأن الشيطان إذا أراد أن تعم الفاحشة في مجتمع ابتدأ هجومه عليه بهذه الأشياء عامة، فقد حمل على آدم وحواء خلال هذا الطريق نفسه : فقال تعالى: یٰبَنِیْٓ اٰدَمَ، لاَ یَفْتِنَنَّکُمُ الشَّیْطٰنُ کَمَآ اَخْرَجَ اَبَوَیْکُمْ مِّنَ الْجَنَّة، یَنْزِعُ عَنْہُمَا لِبَاسَهمَا لِیُرِیَهمَا سَوْاٰتِہهمَا، اِنَّه یَرٰکُمْ هُوَ وَقَبِیْلُه مِنْ حَیْثُ لاَ تَرَوْنَہهمْ، اِنَّا جَعَلْنَا الشَّیٰطِیْنَ اَوْلِیَآءَ لِلَّذِیْنَ لاَ یُؤْمِنُوْنَ.(الأعراف: ۲۷)

وكيف تكون هذه الحملة الشيطانية؟ يوضحه الأستاذ الإمام ذلك فيما يأتي:

" إنه أولًا يحرم الناس من خلال وسوسة من لباس التقوى الذي أنزله من حيث التكريم والتشريف الباطني له مع اللباس الظاهري. فإذا ما يختلع من هذا اللباس الباطني، عندئذ ينتهي الحياء الذي هو الباعث والحافز الأصلي على اللباس الظاهري. ثم أخذ يثقل هذا اللباس الظاهري وتندفع الدعارة في الأعضاء الجنسية إلى التعري مع أن الفطرة تقتضي سترها. ثم يأتي دور الموضة. فتقوم بتوليد أساليب وأنماط جديدة من اختراعات متفننة في نحت طراز الثوب أن أبناء آدم وبنات حواء تلبس الأثواب، ولكنهم من حيث الغرض الرئيسي من الملابس أي الستر، فانهم يظلون كما لو كانوا عريانًا. ويلاحظون فقط جانب الزينة والبذخ في ملابسهم . ويغلب على الزينة أيضًا المجون الذي يستهدف أن يبرز ويتميز من الزاوية الأكثر جاذبية. ثم يخدر العقل تدريجًا بحيث يحصل العري على اسم الحضارة واللباس الساتر اسم الوحشية والتخلف. ثم يثور شياطين مثقفون ثقافة عليا ويقومون بإحداث وإيجاد فلسفة في ضوء التاريخ و تقول إن العري هو الأصل المفطور عليه الإنسان، وإنما اختار الملبس تحت ضطوط اجتماعية وتقاليد سائدة. وهذه هي المرحلة التي إذا جاءت يموت ماء العين وتصبح الحضارة كلها مسمومة بسموم الشهوانية الجارفة." (تدبر القرآن: 3/246)

وانطلاقاً منه فقد جعل الله سبحانه وتعالى نشر الزنا وترغيباتها جريمة كبيرة. فإنه إذا حاول المنافقون والأشرار للإرجاف وإشاعة الفاحشة في المدينة فقال الله تعالى عنهم: اِنَّ الَّذِیْنَ یُحِبُّوْنَ اَنْ تَشِیْعَ الْفَاحِشَة فِي الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، لَهُمْ عَذَابٌ اَلِیْمٌ فِي الدُّنْیَا وَالْاٰخِرَۃِ، وَاللّٰہُ یَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ.(النور: ۱۹)** **

ولهذا الغرض نفسه قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخروج معطرات عطرًا كثيفًا وعن اختلاط الرجال وحدها والسفر معهم منفردة، وسألوه عن الحمو فقال: الحمو الموت، ولهذا الغرض نفسه قد نهى النساء عن الخروج إلى أسفار طويلة بدون ذي محرم. ولهذا قد أمر تحويل النظرة الثانية بعد الأولى. ونبه وحذر عن بعض أشكال الغناء وصور الموسيقى بصفتها محرضة على الزنا: فقد قال أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظرة وزنا اللسان المنطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه.

(رواه البخاري رقم الحديث: 6243 ومسلم رقم :6754)

فهذه تعليمات قد أعطيت سداً للذريعة وجاءت لمنع الزنا من مظانه.