logo

الكبرياء والغرور


الاستكبار والغرور

العاشر هو أن لا يمشي أحد على وجه الأرض مرحًا مختالًا. لأن ذلك مشية المستكبرين والمغرورين. ولذا قال إنه مهما ضربتم الأرض بقدميكم فلن تخرقوها ومهما شمختم برأسكم فلن تبلغوا قمم الجبال:

ويقول الأستاذ الإمام:

"ويعني ذلك أنكم ترون شؤون الرب تعالى هذه أنه قد فرش الأرض الطويلة العريضة مهادًا لكم ولستم إلا نملة أو قنبة عليها، والذي قد أرسى أمامكم هذه الجبال الرواسي ولستم أمامها إلا سنجابة صغيرة. فما معنى الاختلال والمرح في أرضه؟ تعرفون مكانتكم واسجد والعظمة الرب تعالى ولجلاله. (تدبر القرآن 4/502)

وهذه المشية المرحة تشيء بما هو كامن في الباطن من المشاعر والعواطف التي تتكون تحت تأثير الثروة والسلطة والحسن والعلم والمعرفة والقوة وما إلى ذلك، مما يحدث في المرء الغرور والمرح. والاختيال الناشئ من أي هذه الأنواع يبرز في نوع خاص من المشية، ويشهد على إزاحة المشاعر المتصلة بعبادة الله وعظمته من قبله. فإن القلب الشاعر بعبودية الله تعالى وعظمته لا يتقلب إلا في صدور طارئة عليها حالة التواضع والاستكانة لله تعالى، فإنهم يخففون وطء الأرض ولا يمرحون ولا يختالون.

ولذا فإن مشية المرح خصلة رذيلة جدًّا فصارت عقوبته أشد كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من كان في قلبه غرور كحبة خردل . (رواه مسلم رقم : 6680) وقال: العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته" (رواه مسلم رقم : 6680 )

ومما يجب ملاحظته هنا أن هذا الخيلاء والغرور لا ينعكسان فقط في هيئة المشيئة، بل ينعكس في أسلوب حديثه ونوع ملابسه ومظهره الجسدي وزيه وقيامه وقعوده وفي كل شيء. ولذا قال: وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّکَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْاَرْضِ مَرَحًا، اِنَّ اللّٰہَ لَا یُحِبُّ کُلَّ مُخْتَالٍ فَخُوْرٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْیِکَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِکَ، اِنَّ اَنْکَرَ الْاَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِیْرِ. (لقمان: 18-19)

ومن هنا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من استخدام كل ما يتوخى منه المرء استظهار إمارته وغناه، أو يتخذه بابًا من أبواب الأبهة والمنفخة وترغيب الآخرين أو ترهيبهم على طريقة الماجنين الخلعاء، ولذا قد نهى عن لبس الخز وصنع الغلاف من الجلود الثمينة والأكل في أوعية الذهب والفضة.(البخاري رقم 5633-5635، 5637 ومسلم رقم 5387 -5388) حتى إنه منع من مظهر الغرور المبتني على اللحية الصغيرة والشوارب الكبيرة ونصحهم بإعفاء اللحية وقطع الشوارب على كل حال. (البخاري 5892 ومسلم 602)- وهذا هو محمل الأمر بإعفاء اللحية وقطع الشوارب، ولكن الناس أخطؤوا  فهم هذا الحديث وجعلوه أمرا بإعفاء اللحية مطلقًا، وأدخلوا في دين الله ما ليس منه. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه ناراً  ( رواه ابن ماجه رقم الحديث 3607) وقال أيضًا: إن الله لا ينظر يوم القيامة إلى امرئ يجر إزاره خيلاء ( رواه البخاري رقم 5783 ومسلم رقم الحديث 5455)

ولا يقف الإنسان عند هذا الحد بل هذه الكيفية النفسية له يسبب له اقتراف الذنوب الكبيرة مدفوعًا بغروره وتجبره. وتفضي به إلى جحود الحق مع معرفته كما يفضي به  إلى الاستعلاء على الآخرين حسباً ونسباً ولوناً وطبقةً وإلى الحط من مكانة الآخرين همزاً ولمزاً والاستهزاء بهم وشتمهم والتنمر عليهم ومناداتهم بألقابهم التي يكرهونها، فقد حرم الله كل هذه تحريماً جازماً.

الإعراض عن الحق

وقد نبه الله تعالى المعرضين عن الحق والمستكبرين الجاحدين له أن لا يصغروا جريمتهم فجزاؤهم جهنم خالدين فيها وسُدت عليهم أبواب الجنة فقال: 
اِنَّ الَّذِیْنَ کَذَّبُوْا بِاٰیٰتِنَا وَاسْتَکْبَرُوْا عَنْها، لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ اَبْوَابُ السَّمَآءِ وَلاَ یَدْخُلُوْنَ الْجَنَّة حَتّٰی یَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِیَاطِ، وَکَذٰلِکَ نَجْزِي الْمُجْرِمِیْنَ. لَہُمْ مِّنْ جَہَنَّمَ مِهادٌ وَّمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ، وَکَذٰلِکَ نَجْزِي الظّٰلِمِیْنَ. (الأعراف: 40-41)

التفاخر بالأنساب

ونبه أيضًا المتفاخرين بالأنساب أن كلكم لآدم (وحواء) وآدم من تراب. لا فضل لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض ولا لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي. وأساس العز والشرف عند الله تعالى هو على التقوى فقط، لا على الانتماء إلى أسرة وقبيلة أو لون أو عرق. فإنما يعتز عنده من كان متسمًا بالتقوى ومتقيداً بحدود الله ولو نشأ في عرق حقير وأسرة مجهولة. ومن سلك مسلك الاستكبار والتمرد على الله ذل بالتأكيد ولو كان قريشيًّا هاشميًّا. وتقسيم الأسرة هذا للتعارف فقط. فكما قد ميز الله بين الناس وجوهًا ولونًا وقامةً ليتعارفوا فيما بينهم فقد فرق بين العائلات والأسر للغرض نفسه، ولا أهمية لكل ذلك أكثر من ذلك قال تعالى: يایُّها النَّاسُ، اِنَّا خَلَقْنٰکُمْ مِّنْ ذَکَرٍ وَّاُنْثٰی وَجَعَلْنٰکُمْ شُعُوْبًا وَّقَبَآئلَ لِتَعَارَفُوْا، اِنَّ اَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللّٰہِ اَتْقٰکُمْ، اِنَّ اللّٰہَ عَلِیْمٌ خَبِیْرٌ. (الحجرات: 13)

التمسخر

ولقن المستهزئين بالآخرين أن أكرمكم عند الله أتقاكم وأرزلكم عنده من لا إيمان له ولا عمل والوزن الحق سوف يخبر به ميزان العدل لله تعالى. لا يقال إن الأشراف والأكارم هنا ما سوف يكون مقامهم عند الله يوم القيامة. ومن يُعتقد أذلاء هنا سوف يكونون أعلى مقامًا وأرفع درجة في ملكوت الله. ولذا لينتبه كل مسلم أنه له علاقة الإيمان بإخوانه المسلمين تحت حكم "إنما المؤمنون إخوة" فلا يليق به أن يحتقرهم ويسخربهم و يهدفهم مستمرًّا وتعريضاً وهمزاً ولمزاً فقد قال: یٰٓاَیُّها الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، لَا یَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ عَسٰٓی اَنْ یَّکُوْنُوْا خَیْرًا مِّنْهمْ، وَلَا نِسَآءٌ مِّنْ نِّسَآءٍ، عَسی اَنْ یَّکُنَّ خَیْرًا مِّنْهنَّ .(الحجرات: ۱۱) 

الطعن والتشنيع

ونبه من يطعن في إخوانه ويشنع بهم أن اجتنبوا منه. والتعبير "لا تلمزوا أنفسكم" الذي جاء في سورة الحجرات ينبئ عن أنه إذا طعن مسلم أخاه فكأنه يطعن نفسه هو. ثم في استخدام "اللمز" إشارة إلى أنه شامل لكافة المفاهيم من التعييب والسخرية والهمز واللمز وتوجيه التهمة واستهداف الآخر علانيةً أو بالإشارة والكناية بالاعتراضات. فكل ذلك ينبعث من عواطف أكبار النفس وإذلال وتحقير الآخرين. والتنابز بالألقاب أيضًا جريمة من هذا النوع. وهو كان عامًّا في جاهلية العرب فإنهم كانوا يضعونه موضع كمال الفن. وكان أشعر القبيلة وأخطبهم يُعد من يبرز في الإشادة بمفاخر قبيلة وتوجيه الهجو والتحقير للقبائل المخاصمة. فمنع الله التنابز وقال إن كل هذه العادات من التمسخر والطعن والتشنيع والتنابز بالألقاب من أعمال الفسق و"بئس لِاسم الفسوق بعد الإيمان "فلا يجوز لمسلم أن يأتي بأي شيء من هذه الرذائل. وقال: وَلَا تَلْمِزُوْٓا اَنْفُسَکُمْ وَلَا تَنَابَزُوْا بِالْاَلْقَابِ، بِئسَ الاِسْمُ الْفُسُوْقُ بَعْدَ الْاِیْمَانِ، وَمَنْ لَّمْ یَتُبْ فَاُولٰٓئِکَ هُمُ الظّٰلِمُوْنَ.(الحجرات: ۱۱) 

الغيبة والنميمة

وقد حذر الله تعالى من يرتكب النميمة عملية شنيعة جد شنيعة. ومثلها كمثل رجل يأكل لحم أخيه ميتاً. أكل اللحم الميت مما يقبح ويتنفر منه الطبع السليم ثم إن كان من لحم أخيه الميت فكيف يأكله شخص؟ وفي تصويره ميتاً قد أبرز جانبه الضعيف أنه لا يستطيع الذود عن نفسه. فقد سأل القرآن مخاطبيه أنه إذا لم ترغبوا في أكل لحم أخيكم فكيف تمشون بالنميمة وهي كريهة أيما كريهة ونافرة أيما نفرة؟

ويوضح النميمة الأستاذ الإمام:                  

"والنميمة تعني أن يسيء إلى أحد وتنسب إليه عيبًا في غيابه. ويتضمن غيابه أن مرتكب الغيبة لا يريد أن يعلمه من استهدفه بغيبته وبناءً على ذلك فإنه يأتي بفعل الغيبة في غيابه وأمام الذين يساهمونه في سره وخياله وغرضه، أو على أقل حد ليس له خطر منهم أن يفشوا سره لمن يغتابه هو". (تدبر القرآن 7/510)

وإذا قمت بتحليل ودراسة هذا الفعل رأيت في خلفيته استكبارًا يبعث صاحبه إلى تحقير وإذلال الآخرين ولذا حرمه الله تعالى وقال ليتق الله كل أحد في هذا الأمر:. وَلَا یَغْتَبْ بَّعْضُکُمْ بَعْضًا، اَیُحِبُّ اَحَدُکُمْ اَنْ یَّاْکُلَ لَحْمَ اَخِیْه مَیْتًا فَکَرِهْتُمُوْہُ، وَاتَّقُوا اللّٰہَ، اِنَّ اللّٰہَ تَوَّابٌ رَّحِیْمٌ.(الحجرات: ۱۲ )

فهذه هي وصايا العشر للقرآن مثل أحكام العشرة والأخلاق هي نتيجة طبيعية لها وفروع منها. فما سماه الله تعالى من الكبائر وأعمال الفجور التي عبره بـ "كبائر الإثم والفواحش" (الشورى: 37 والنجم 32).

تتولد من مخالفة وعصيان هذه الوصايا العشر. والقرآن واضح جدًّا في هذا الأمر أن الناس سيتعرضون لعقوبة هذا الانتهاك، ولذلك يجب على كل مسلم أن يظل حذرًا في هذا الأمر. وينبغي أن تظل ثلاثة أمور تالية في خاطره واعتباره:

أولًا: لا يحاسب الله الإنسان على المعصية الواقعة من غير قصد وتعمد. والأصل الشرعي في ذلك أنه إذا جاء المرء بمعصية ثم إنه صدرت منه عن غفلة أو سهو دون تعمد فإن الله سيعفيه من العقاب. فقال مبينًا تشريعًا عن الأدعياء: وَلَیْسَ عَلَیْکُمْ جُنَاحٌ فِیْمَآ اَخْطَاْتُمْ بِه وَلٰکِنْ مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوْبُکُمْ، وَکَانَ اللّٰہُ غَفُوْرًا رَّحِیْمًا.(الأحزاب: ۵)   

 وثانيًا: أن الإنسان إذا جنبه عن عصيان تلك الأحكام فإن الله سيغفر له ذنوبه الصغيرة وإن لا، فإن ذنوبه الكبيرة والصغيرة  ستسجل معًا في كتاب أعماله وسوف يحاسب عليهما جميعًا: قال تعالى: اِنْ تَجْتَنِبُوْا کَبَآئرَ مَا تُنْهوْنَ عَنْه نُکَفِّرْ عَنْکُمْ سَیِّاٰتِکُمْ وَنُدْخِلْکُمْ مُّدْخَلاً کَرِیْمًا.(النساء: ۳۱)

وثالثًا إذا خلف الإنسان مغلوبًا بعواطفه أيًّا من هذه الأحكام والوصايا فعليه أن يتوب إلى الله أسرع ما يمكن له. فإن الله قد ذكر أنه سيغفر لمن أذنب في غمرة عواطفه إذا تاب بعد الذنب من فوره. ولا يغفر الذنوب لمن يرتكب الذنوب طوال حياته وحين يشعر بدنو أجله تاب. كما أنه لمن يغفر أيضًا لمنكري الحق وجاحديه إذا ظلوا على إنكارهم حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم. فقال:
اِنَّمَا التَّوْبَة عَلَی اللّٰہِ لِلَّذِیْنَ یَعْمَلُوْنَ السُّوْٓءَ بِجَهالَة ثُمَّ یَتُوْبُوْنَ مِنْ قَرِیْبٍ، فَاُولٰٓئِکَ یَتُوْبُ اللّٰہُ عَلَیْهمْ، وَکَانَ اللّٰہُ عَلِیْمًا حَکِیْمًا. وَلَیْسَتِ التَّوْبَة لِلَّذِیْنَ یَعْمَلُوْنَ السَّیِّاٰتِ حَتّی اِذَا حَضَرَ اَحَدَهمُ الْمَوْتُ، قَالَ: اِنِّي تُبْتُ الْئٰنَ، وَلاَ الَّذِیْنَ یَمُوْتُوْنَ وَهمْ کُفَّارٌ، اُولٰٓئِکَ اَعْتَدْنَا لَهمْ عَذَابًا اَلِیْمًا.(النساء: ۱۷۔۱۸)  

وقد حسم القرآن في الحالتين قبول التوبة وعدم قبولها وتبقى حالة وحيدة غير محسومة. وهي أنه إن لم يكن المرء قادرًا على التوبة مباشرةً بعد الذنب لكنه لم يؤخر توبة إلى أن حان الموت. فالقرآن سكت عن هذه الحالة، وسكوته في تعبير الأستاذ الإمام يولد الخوف والرجاء معاً وكأن القرآن يريد بقاء هذه المعاملة بين الخوف والأمل. فإنه يقول: أحيانًا يخطر بالبال بأن أمثال هؤلاء من الأمة الرجاء أن ينالوا النجاة من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم . لأنه لا وجه هناك لكون الشفاعة محظورة في حقهم.