logo

كتابًا متشابهًا

كتابًا متشابهًا

 الخامس أن القرآن يبين ما يدعوه إليه في مختلف الصور والأساليب المتنوعة حتى أنه صار بنفسه تفصيلًالإجماله وشرحًا وتفسيرًا لكلامه المعجز، لدرجة أنه لا نظير له في كتابات العالم للأخرى، وبناء عليه يعرف القرآن نفسه بألفاظ "كتابًا متشابهًا". فقد قال تعالى: اَللّٰہُ نَزَّلَ اَحْسَنَ الْحَدِیْثِ،  کِتٰبًا مُّتَشَابِھًا مَّثَانِي . (الزمر ۳۹: ۲۳) 

وفي قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي ھٰذَا الْقُرْاٰنِ لِیَذَّکَّروا(بني إسرائيل:41 ) وفي الآيات الأخرى الكثيرة لهذا المضمون فقد أوضح القرآن هذه الحقيقة نفسها بلفظ "التصريف" أي تقديم القول بطريق الطرائق المتقدمة والأساليب المنوعة كما قال أيضًا: کِتٰبٌ اُحْکِمَتْ اٰیٰتُه ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَکِیْمٍ خَبِیْرٍ.(هود ۱۱: ۱)  أي جاءت الآيات أولًا في طريق موجز جامع مركز، ثم فصلت تلك الآيات الموجزة الجامعة كأنها جمل موجزة يقول الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في هذا الوصف للقرآن:

"إذا تلوت القرآن أحسست أن مضمونًا واحدًا يتكرر في سور مختلفة. وربما يخيل إلى المبتدي أن ذلك تكرير لمضمون واحد فقط. ولكن المتدبرين فيه يعلمون أن القرآن مطهر من التكرار المحض. فإن القول المتكرر في القرآن لا يأتي بخلفية وحدة ومقدمة مماثلة، ومع لواحق وتضمنات مماثلة، بل تكون أطرافها وجوانبها متبدلة في كل مكان، وروابطها وعلاقاتها متغيرة في كل مقام. وتجيء بتعديلات مناسبة بكل مكان. فما خفي في مكان يتوضح في مكان آخر. وجهة تأتي قي سياق مخفية وتأتي في سياق آخر معينة. بل تجربتي الطويلة تفيد أن لفظة تبدو مبهمة في آية تنكشف انكشافًا بيّنًا في آية أخرى، وهكذا لم يتضح دليل لقول ولكنه يتلمع لمعان الشمس في موضع آخر. وهذا الأسلوب القرآني كما يظهر إلي لأن تترسخ كل مقولة في عقول الطالبين. ولذا أقول تحديثًا للنعمة أن مشكلات القرآن تتوضح علي بالقرآن نفسه لدرجة لم تحل من أي شيء آخر كما يقول شاعر أردي مير أنيس ما مفهومه.

    مضمون واحد لوردة      سأؤديه من مئة ألوان

من الممكن أن يكون ذلك مبالغة شعرية في كلامه ولكنه حق ثابت في باب القرآن، ففيه يأتي الكلام بأساليب منوعة متعددة أنه إذا حاز الإنسان بذوق سليم فإنه يأخذ فحواه حتمًا.(تدبر القرآن. 1/28)

فهذا بيانلأكبر عارف بالقرآن في العصر الحاضر بعد الإمام حميد الدين الفراهي وتجربته الممتدة إلى حياته. فطالب القرآن إن تدبر فيه ودرسه درسًا دقيقًا وجد هذه الحقيقة ثابتة في كل أوراقه. ففي ضوء ذلك ينبغي أن نسلم مبدئيًّا أن قاعدة القرآن "يفسر بعضه بعضا" لا يصح ذلك فقط في تعليمات القرآن وإشاراته التاريخية وتلميحاته، بل إن معجزة القرآن العجيبة أنه يحتوي على ذخيرة غالية للنظائر والشواهد لحل مشكلات الألفاظ والأساليب فيه. يقول  الأستاذ الإمام:

" إنه لا يسعنا هنا التفصيل وإلَّا سوف نريك أن القرآن يرفع لفظة غير هامة من الكلام العام ثم يستعمله في معنى أرفع بكثير من معناه المعروف، ويوجد له بطريق تنوع الاستعمال له بيئة خاصة، أن طالبًا للقرآن يفهم كل ما له وما عليه لدرجة لا يكذبه شيء في يقينه، وذلك بدون إرشاد من "لسان العرب" و"صحاح الجوهري". وهذا حال القرآن في أساليب الكلام وفي باب التأليف النحوي أيضًا وبالإضافة إلى ألفاظه المفردة. فإن تراكيب القرآن التي يتعقد فيها أرباب النحو ولم يجدوا طريقًا لحل تلك المعضلات إذا فحصت عن أمثالها في القرآن نفسه، سوف تجدها في أكثر من مقام وتجدها مع دلائل مقترنة مع الذهاب والإياب أن لا يجرح شيء يقيننا فيها. (مبادئ القرآن60 )