logo

الأحوال

أحوال القيامة

وكيف تقوم القيامة؟ قد فصلها القرآن في أماكن عديدة. فهناك صور كثيرة جاءت في مقامات كثيرة في القرآن لما يحدث للأرض والسماء، ولما يقع للشمس والقمر والنجوم والكواكب من حالة، ولما يواجه مخلوقات الأرض من أوضاع وكيف يجتمع الناس في حضرة ربهم بعد البعث من مراقدهم. ودراسة الأدب الجاهلي تفيد أن العرب كانوا يميلون إلى التصوير أكثر منه إلى التشبيه. والقرآن قد صور للقاري مراعاةً لذوقهم صورة لزلزلة القيامة كأنه يشهد بأم عينه هذه الوقعة الكبيرة. وأحداث القيامة تتبع بترتيب آتي:

1 – يكون الناس مشتغلين بأعمالهم وتجاراتهم، بعضهم في الطريق وبعضهم في السوق، وبعضهم في المجلس وبعضهم في البيوت. لا يدور بخلدهم أن نظام العالم متزلزل على عجل إذ فاجأهم النفخ في الصور وزلزلت الأرض زلزالها. قال تعالى: وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّوْرِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَمَنْ فِي الْاَرْضِ اِلَّا مَنْ شَاءَ اللّٰهُ (النمل:87)

وما هو هذا الصور؟ يقال له في لغتنا "نرسنغا" أو البوق. ولا يمكن التوصل إلى كنهه لأحد لأنه عندنا مما يتعلق بالأمور المتشابهة ولكن اللفظ الذي اختير له يقام له قليل من التصور منه. لأن الله سبحانه لتفهيم نظام كونه يستخدم ألفاظاً واصطلاحات يتداولها الجنس البشري لنظام متشابه له. والمقصود تقريب تصوراتنا للشيء الأصلي لا أن نفهم ذلك الشيء بعينه،كما نفهمه ونشهده في الدنيا. وفي الماضي القديم كان ينفخ في البوق أو في نرسنغا في مناسبات الموكب الملكي أو عند إعلان الحرب علي الأعداء، فيفيد القرآن أنه سوف ينفخ في شيء كهذا لإقامة القيامة. فيذهل سائر المخلوقات ويطرأ عليهم الهول والقلق والهلع كأنهم قد صاروا سكران وفي غفلة وذهول عن أحب الأشياء إليهم، والوحوش تحشر وتتجمع حتى تصعق المخلوقات كلها من جراء صوتها الهائل والمرعب.كما قال: وَنُفِخَ فِي الصُّوْرِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَمَنْ فِي الْاَرْضِ اِلَّا مَنْ شَاءَ اللّٰهُ (الزمر: 68)

وماذا يمر به عمران الأرض نتيجة ذلك قد صور القرآن ذلك في مقامات متعددة. وتعلم بها أن الأرض تصير كسفينة متزعزعة بضرب الأمواج اللاطمة إذا ما هزتها زلزلة بعد أخرى فتقشعر من هذه الحالة القلوب، وتذعر بها الأبصار ويكون الناس سكارى لدرجة كأن هول العذاب قد جعلهم منبهرين. فقال: يٰاَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمْ اِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيْمٌ   يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا اَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكٰرٰي وَمَا هُمْ بِسُكٰرٰي وَلٰكِنَّ عَذَابَ اللّٰهِ شَدِيْدٌ  (الحج: 1-2).

وهذا الوقت هو الذي فيه يبتدئ انهدام نظام العالم، وتهز الكون كله زلزلة عظيمة تتكسر منها الجبال، وتتفجر الأنهار وسائر الأجرام الفلكية والمجرات تدع مكانها وتحل محل بعضها البعض، ويسود في كل الأطراف اختلال يتقاصر من بيانه الخيال ويتقاصر من تخيله الخيال. وتدوم هذه السلسلة إلى مدة لا يعلمها إلا الله تعالى. قال: اِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَاِذَا النُّجُوْمُ انْكَدَرَتْ. وَاِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ. وَاِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ. وَاِذَا الْوُحُوْشُ حُشِرَتْ. وَاِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ. وَاِذَا النُّفُوْسُ زُوِّجَتْ. وَاِذَا الْمَوْءدَةُ سُىِٕلَتْ . بِاَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . وَاِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ. وَاِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ. وَاِذَا الْجَــحِيْمُ سُعِّرَتْ. وَاِذَا الْجَنَّةُ اُزْلِفَتْ. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا اَحْضَرَتْ  (التكوير: 6-14) وقال: اِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ. وَاَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. وَاِذَا الْاَرْضُ مُدَّتْ. وَاَلْقَتْ مَا فِيْهَا وَتَخَلَّتْ . وَاَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ   (الانشقاق: 1-5).

وبعد ذلك تبتدأ مرحلة عبر بها القرآن بإعادة الخلق فبهذا الاختلال نفسه يتواجد تدريجيًّا نظام طبيعي جديد. كما قال: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَـطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  كَمَا بَدَاْنَا اَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيْدُه وَعْدًا عَلَيْنَا  اِنَّا كُنَّا فٰعِلِيْنَ . (الأنبياء: 104).

وكيف تكون ذلك؟ فقد أخبر الله سبحانه أن الإجرام الفلكية كلها الأرض، السماء، الشمس والقمر والنجوم. والمجرات المتكونة من البلايين من الكواكب والنجوم سوف تتبدل في أرض جديدة وسماء جديد، مع القوانين الجديدة والنواميس الأخرى. كما جاء في إبراهيم: 48 من قوله: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وقد بين القرآن أن تكون ثمة نفخة أخرى وإذا الناس قيام، ويخرجون من أحداثهم ويحشرون إلى ربهم قال تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيه اخري فَاِذَا هُمْ  قيام ينظرون و نُفِخَ فِي الصُّوْرِ فَاِذَا هُمْ مِّنَ الْاَجْدَاثِ اِلٰى رَبِّهِمْ يَنْسِلُوْنَ (يس: 151).