القرآن
قد نزل القرآن على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم . وقد جعله الله ميزانًا وفرقانًا (الشورى: 17 والفرقان:1) وهو المهيمن للكتب المنزلة من قبله، وهو اسم صفة لهيمنَ على كذا، يعطي معنى الرقابة والإشراف. والمفهوم أن القرآن هو الآن النسخة الأصلية المعتمدة للكتب الإلهية ولذا الإبرام الحتمي هو فقط له في كل أمر للدين ويكون هو الفصل في الأخذ والرد لكل شيء. كما قال: وَاَنْزَلْنَا اِلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا اَنْزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعْ اَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (المائدة: 48)
له أربع عشرة مئة سورة أكثرها توأمة برعاية مضمونها. وقد رتب في أبواب سبعة حسب ترتيب مراحل الدعوة المحمدية. لسانه عربي مبين نزَّله جبرئيل الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم الذي قدمه أولًا على قومه ثم انتقل إلينا بإجماع المسلمين وتواترهم القولي والتحريري. فهو الآن كتاب واحد بين جميع الكتب الإلهامية للعالم، الذي يمكن أن يقال بثقة كاملة إنه موجود فينا في نفس اللغة ونفس الأسلوب ونفس الترتيب الذي نزل فيه بدون أدنى تغير ولا تبدل. وتواتره هذا معجزة في مكانه فإنه كتاب واحد في العالم الذي يمكن للملايين من المسلمين أن يسمعونه من " الحمد" حتى "والناس" من حفظهم محضًا. والتاريخ يشهد أن هذا التسلسل لرواية هذا الكتاب وصيانته هو من جانب رب العالمين بنفسه كما قال: اِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَاِنَّا لَه لَحٰفِظُوْنَ (الحجر: 9) وقال في موضع آخر وَاِنَّه لَكِتٰبٌ عَزِيْزٌ -لَّا يَاْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِه تَنْزِيْلٌ مِّنْ حَكِيْمٍ حَمِيْدٍ ( حم السجدة: 41-42)
وجوانب صيانة القرآن التي قد أشارت الآية إليها قد ذكرها الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي في العبارة التالية:
أولًا أن الله تعالى قد اهتم اهتمامًا خاصًّا لكي لا تتدخل الشياطين في الوحي القرآني. وإن كان هذا اهتمامًا عامًّا في الكون أن لا تستمع الشياطين ما يذكر بالملأ الأعلى ولا تختلط ولكن كان هناك اهتمام خاص لكي لا تخطف الشياطين خطفة في الوحي القرآني، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وثانيًا الملك الذي تم انتخابه لهذا العمل الخطير وصفه القرآن "بذي قوة مطاع ثم أمين قوي عند ذي العرش مكين." فهو قوي لدرجة أن لا تغلبه الأرواح الخبيثة وهو أمير الملائكة لا ينسى شيئًا فماذا يُسلم إلقاءه إليه يلقيه بأمانة كبيرة، ولا يسعه أن يكون هناك فرق كبير أو صغير فيها. وهو ملك مقرب عند الله تعالى وقربته تدل على أنه خير الملائكة وأفضلهم في صلاحياته. وظاهر أن هذا أيضًا حتى لا يكون هناك إمكان ما لتدخل الباطل فيه من جانب منبعه.
وثالثًا البشر الذي تم انتخابه لتحمل هذه الأمانة الكريمة هو خير الخلائق كلهم من كل الاعتبارات. ولم يحمله أن يحفظه ويصونه ويرتبه واحدًا بنفسه بل فرض الله ذلك على نفسه ولذا قال له في سورة القيامة: لَا تُحَرِّكْ بِه لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه اِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَه وَقُرْاٰنَه فَاِذَا قَرَاْنٰهُ فَاتَّبِعْ قُرْاٰنَه ثُمَّ اِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه (القيامة:16-19) فتقول الروايات أن النببي صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار كانوا يحفظون القرآن وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذاكره كل عام في شهر رمضان كي لا يكون هناك سهو ونسيان. وتكون المذاكرة بترتيب رضي ربه الله أن يدون عليه القرآن. وكما تقول الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قام بهذه المذاكرة القرآنية مع جبرئيل الأمين مرتين في رمضان في حياته الأخيرة ثم ضبط وكتابة وتدوين القرآن كله مطابقاً لقراءة العرضة الأخيرة هذه، وقام الخلفاء الراشدون ببعث نقوله إلى مدن وبلدان المملكة الإسلامية في طولها وعرضها. ولم يحظ أي صحيفة من الصحف العتيقة بهذا الاهتمام الخاص حتى وأن صحف التوراة لا أحد يلم عليها بإلمام بأي زمن رتبت صحفها المختلفة وفي أي زمان وبواسطة مَن.
ورابعًا أن القرآن كلام معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فلا يُرقع؟ بكلام الغير حتى أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي نزل عليه وهو أفصح العرب والعجم، لا يدانيه ولا يقابله، فلا إمكان أن يختلط به كلام الغير. فإن التاريخ قد احتفظ في كتب التاريخ والأدب نماذج من مزخرفات مدعي النبوة الكاذبين الذين تجاسروا على القول بكلام مصطنع بجواب القرآن. فقارن بينه وبينها وجدت فرقًا كفرق الجوهر الخالص والزخرفة.
وخامسًا أن الله قد وعد بحفظ اللغة القرآنية مع صيانة القرآن إلى يوم القيامة. فإنه قد دخلت التحريفات الكثيرة التي لا تحصى في الصحف السماوية الأخرى بسبب اندراس لغاتها الأصلية بطريق الترجمات. ولا يمكن التطرق إليها اليوم، ولكن لغة القرآن الأصلية محفوظة مصونة وتظل مصونة إلى يوم القيامة فلا يتطرق إليه أي باطل بطريق الترجمات والتفاسير. وإذا كانت هناك محاولة خبيثة لإدخال أي باطل فيه فبوسع أهل العلم أن يفرقوا ويميزوا بين الحق والباطل على المعيار الأصيل. (تدبر قرآن 7/112)
