logo

الإسلام والإيمان

الإسلام

الشيء الأول هو الإسلام. وإذا ذكر مع الإيمان بالأسلوب الذي ذكر هنا في الآيات المذكورة يراد به ظاهر الدين أي الكيفية الإستسلامية لله تعالى، التي تتمثل من قول الإنسان وفعله وأعضائه وجوارحه. فإذا كان لسان المرء ينطق ويغلق وفقَ أوامر الله تعالى ورسوله، وإذا كان عينه ينظر أو يغض الطرف بإيمائهما وإذا كان إذن المرء يسمع أو لا يسمع حسب هديهما، وإذا كان يده يرفع ويسقط حسب إرشادهما وإذا كان قدم المرء يمشي ويقف عند حد فرمانهما فهذا هو الإسلام، وتتمثل ظاهرة الإسلام بما يجري على لسان الأنبياء عليهم السلام بـ "أسلمت لرب العالمين"(البقرة: 131) وأسلمت وجهي لله (آل عمران: 20). ويخبرنا القرآن أن الأنبياء عليهم السلام هم الذين يمثلون الإسلام خير تمثيل ولذا جاء حكم الاقتداء هم واتباعهم للبلوغ إلى مرتبة التسليم والرضا فقال تعالى: قُلْ: اِنْ کُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللّٰہَ فَاتَّبِعُوْنِي یُحْبِبْکُمُ اللّٰہُ وَیَغْفِرْ لَکُمْ ذُنُوْبَکُمْ، وَاللّٰہُ غَفُوْرٌ رَّحِیْمٌ.(آل عمران: ۳۱)  

وقد أوضح الإمام أمين إحسان الإصلاحي الوعي والعاطفة التي ينبغي اتباعها في ذلك

"الرسول مظهر كامل لمعرفة الله، وكل عمل من أعماله هو علامة من علامات معرفة الله، لذلك أولئك الذين يحبون الله يحبون كل عمل من أعمال الرسول. إنهم يرون في الرسول المعرفة التي تأتي من معرفة الله، ويرون الأعمال التي تنشأ عن معرفة الله، ويرون العادات التي يحبها الله، ويرون الصفات العزيزة على الله تعالى، ويرون الجمال الذي يقوم عليه جمال الله سبحانه. لذلك، يبحثون ويتبعون كل نقش وكل رسم للرسول ولأنهم يفعلون كل هذا في حب الله، فإنهم يحصلون على مكافأة من الله أن يصبحوا أحباء الله تعالى. (تزكية النفس 117)

الإيمان

والشيء الثاني هو الإيمان. إنه باطن جوهري في الدين وهنا يشير إلى الاعتقاد الذي يمكن العثور عليه من خلال معرفته الحقيقية لله ووعوده. لذلك، من يؤمن بالله بطريقة تسلم قلبه وعقله له للمرحلة الأخيرة من القبول، فهو مؤمن في مصطلح القرآن. وهذا الإيمان الذي يعطي النقاء للقلب والنور للعقل والطهارة للنوايا والإرادات. هذا الإيمان هو الذي يؤثر على المعرفة والممارسة معاً ويهيمن على وجود الإنسان كله. ثم ذكر الله وتلاوة آياته وظهور هذه الآيات في الآفاق والأنفس يضيف إليه. قال الله تعالى : اِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِیْنَ اِذَا ذُکِرَ اللّٰہُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهمْ،  وإذا تُلِیَتْ عَلَیْهِمْ اٰیٰتُهٗ زَادَتْهمْ اِیْمَانًا، وَّعَلٰی رَبِّهِمْ یَتَوَکَّلُوْنَ.(الأنفال: ۲)

وقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم ذاق طعم الإيمان من رضي  بالله رباً الله وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً (رواه مسلم رقم : 151) ويشبهها القرآن بشجرة ذات جذور نزلت إلى الأرض وفروع منتشرة عبر مساحات السماء، فقال: اَلَمْ تَرَ کَیْفَ ضَرَبَ اللّٰہُ مَثَلاً، کَلِمَة طَیِّبَة کَشَجَرَۃٍ طَیِّبَة، اَصْلُها ثَابِتٌ وَّفَرْعُها فِي السَّمَآءِ، تُؤْتِیْٓ اُکُلَهَا کُلَّ حِیْنٍ بِاِذْنِ رَبِّها، وَیَضْرِبُ اللّٰہُ الْاَمْثَالَ لِلنَّاسِ، لَعَلَّهمْ یَتَذَکَّرُوْنَ.(إبراهیم: 24۔25) 

وقد فسر الآية الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي بما يلي:

"أريد بالكلمة التي جاءت في الآيات كلمة الإيمان. وقد مثل الله لها بشجرة مثمرة طيبة ،أصولها متعمقة في الأرض وفروعها ممتدة امتدادًا واسعاً في الفضاء، وتظل مثمرةً في كل موسم وفصل بفضل الله ونعمته. وأريد بتعمق الأصول رسوخها واستحكامها في الفطرة البشرية، فإنها ليست كشجرة ثابتة على سباطة وقمامة لا أصل لها تجتثها عاصفة من الهواء كما قال عن كلمة الكفر أنها "اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار" (إبراهيم:26) بل إنها كلمة ثابتة ثبات الشجرة الوارفة العميقة التي يمر عليها طوفان ولا يزعزعها زعزعة. ثم أشار إلى أنها ليست كشجرة مستأصلة لا تظل ولا تثمر، بل إنها وفيرة مثمرة تجد القوافل الراحة في ظلالها الوارفة وتتغدى بثمارها وتشبع في كل موسم وفصل. والظاهر أنه إشارة إلى الفيوض والبركات التي تفيض بها وينشرها حياة المؤمن وإيمانه على حياة الذين تشرفوا بقربه وعلى نفسه هو- وهذه الفيوض والبركات تكون بالتأكيد على القسمين العلمي والعملي. وهي تشهد له بإيمانه وترفع به عند الله سبحانه فوزًا ورفعةً. (تزكية النفس: 325)

وهذا الإيمان الذي يطلب القرآن من صاحبه أن لا يكون شيء من الدنيا أحب إليه من الله ورسوله:
قُلْ: اِنْ کَانَ اٰبَآؤُکُمْ وَاَبْنَآؤُکُمْ وَاِخْوَانُکُمْ وَاَزْوَاجُکُمْ وَعَشِیْرَتُکُمْ وَاَمْوَالُنِ اقْتَرَفْتُمُوْها وَتِجَارَۃٌ تَخْشَوْنَ کَسَادَها وَمَسٰکِنُ تَرْضَوْنَهآ اَحَبَّ اِلَیْکُمْ مِّنَ اللّٰہِ وَرَسُوْلِه وَجِہَادٍ فِي سَبِیْلِه فَتَرَبَّصُوْا حَتّٰی یَاْتِي اللّٰہُ بِاَمْرِہٖ، وَاللّٰہُ لاَ یَهْدِي الْقَوْمَ الْفٰسِقِیْنَ. (التوبة: 24)

وقد أوضح ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأساليب متنوعة فقال:

لا يكون أحدكم مؤمنًا حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. (رواه البخاري رقم الحديث 15 ومسلم رقم: 169) وقال ذاق طعم الإيمان من أحب الله ورسوله. (رواه البخاري رقم 16-21 ومسلم رقم 165)

ولكن ما هو هذا الحب؟ يجب علينا أن نفهمه جيدًا الآن الناس إما مفرطون فيه وإما متورطون من جراء سوء فهم لهذا الحب. فيقول الأستاذ الإمام:

"ولم يقصد به ذلك الحب الذي يكون للمرء طبيعياً لامرأته وولده وأقربائه الآخرين. بل قصد به الحب الذي يبعث عليه حب للمبدأ والتفاني فيه، ولأجل ذلك فإنه يقدم مذهبه وأصوله على كل شيء آخر في حياته كلها ويضحي في سبيله كل شيء وكل مبدأ وكل مذهب وكل أمنية وكل أمر آخر غيره ولا يعكس، إنه يخفض كل الأشياء لرفع مبدئه ويناضل الآخرين في سبيله إن عارضوه فيه، حتى أنه يضحى بزوجته وأولاده وأقاربه وأسرته وقومه في سبيل مذهبه إذا صادمه أحد من ذلك في أية مرحلة من مراحل الحياة فيذهب مع فكرته وأصوله تاركًا لهم بلا تردد". (تزكية النفس : 119)

وقد تمثلت الحقيقة الإيمانية هذه في دعاء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:

"اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك. اللهم. آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. (رواه البخاري رقم الحديث: 244)