logo

إطاعة النبي

إطاعة النبي

الإيمان بالنبي يقتضي باللزوم أن يطاع النبي صلى الله عليه وسلم بإذن الله. فقد أوضح ذلك الله تعالى في كتابه على مواقع كثيرة أن النبي ليس فقط مرجعيةً للعقيدة بل يجب أن يكون مركزاً للطاعة أيضًا. ولم يأتِ النبي أن يؤمن به الناس وبس وفرغوا من كل شيء. فإنه ليس بمثابة واعظ ناصح بل بدرجة هادٍ واجب إطاعته. ولم يبعث إلا ليطاع في كل أمور الحياة وكافة المجالات بدون أي تردد ولا تحرج فقال: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله. (النساء: 64)

فإن الله تعالى لا يعامل مع العباد معاملة مباشرةً بل يعطي هديه وإرشاده بوساطة الأنبياء والرسل. نعم المقصود الأصلي هو طاعة الله تعالى ولكن لا تحصل ذلك إلا بطاعة رسله وأنبيائه. كما جاء: من يطع الرسول فقد أطاع الله.(النساء: 80) وجاءت تلك الحقيقة في الآيات الأخرى التي تبحث عن المضمون. وقد أوضح أيضًا أنه يجب التسليم إلى ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم في ما يشتجر بينهم من الخصومات والنزاعات والقضايا، بطمأنينة قلب كاملة وبلا أي تحرج منه، فقال تعالى: فَلاَ وَرَبِّکَ لاَ یُؤْمِنُونَ حَتَّیَ یُحَکِّمُوکَ فِیْمَا شَجَرَ بَیْنَهُمْ ثُمَّ لاَ یَجِدُواْ فِیْ أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَیْتَ وَیُسَلِّمُواْ تَسْلِیْماً. (النساء: 65)

يقول الأستاذ الإمام:

"إن الله قد أقسم بنفسه قائلًا إنهم لا يكونون مؤمنين حتى يحكموك فيما اشتجر بينهم ثم ما لم يتغير تغيرًا ذهنيًّا وفكريًّا أن يسلموا ما تقضى به بطمأنينة قلب وانشراح صدر وبدون تردد، وأن يسلموا أنفسهم إليك من غير استثناء وتحفظ. فتعني إطاعة الرسول طاعة الله عز وجل بنفسه. فلا يؤدي حقه من الإطاعة الظاهرة فقط، بل يجب أن تصحبها طاعة القلب أيضًا" (تدبر القرآن 2/329)

ولذا فطاعة الرسول ليست شيئاً رسمياً فقط فإن القرآن يطلب أن تكون بإخلاص كامل وحب صادق واعتقاد بالغ وبكل احترام وتقدير، فإنه لم يحصل لإنسان محبة الله تعالى إلا بهذا الاتباع الصادق للرسول كما جاء: قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفرلكم ذنوبكم والله غفور رحيم.آل عمران:31)

وقد أوضح ذلك النبي صلى الله ذلك بنفسه بطرائق مختلفة فمثلًا روي البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يكون أحدكم مؤمنًا حتى أكون إليه أحب من والده وولده والناس أجمعين. (رواه البخاري رقم 15 ورواه مسلم برقم 168-169)

وفي سورة الحجرات قد ألقي الخطاب خاصةً إلى ناس منتمين إلى القبائل البدوية المتجاورة للمدينة، لإرشادهم إلى آداب يلحظونها في الحضرة المحمدية، والتي تلقي ضوءًا كاملًا على مرتبة النبي ومنزلته الرفيعة. فقد قال: یَا أَيها الَّذِیْنَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَیْنَ یَدَي االله وَرَسُولِه وَاتَّقُوا االله إِنَّ االله سَمِیْعٌ عَلِیْمٌ (1) یَا أَیُّهَا الَّذِیْنَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَکُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ کَجَهْرِ بَعْضِکُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُکُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِیْنَ یَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِکَ الَّذِیْنَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَی لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِیْمٌ (1-3)

يقول الأستاذ الإمام:

فهذا تعليم للأدب الصحيح الذي يجب أن يراعيه كل مؤمن في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين قد اصطفاهم الله تعالى ليزكو تقواهم. ولفظ امتحن في الآية المباركة هنا يتضمن معنى اصطفى وما شابهه من التعابير. ومن هنا نعلم أن كل قلب لا يكون خليقًا لتزكية التقوى وإنباته فيه. بل ينتخب الله لذلك قلوبًا ينظر في انتخابها هل هناك شعور صادق للانقياد والطاعة لله ولرسوله وعاطفة قوية للخضوع الكامل لهما أم لا. وكلما زاد هذا الشيء في داخل شخص يتنعم بالتقوى بقدر ذلك، وبقدر ما يتعرى الإنسان من هذا الشعور يبعد من التقوى بقدر ذلك. وقد ذكر هنا رفع الصوت كما أشرنا إليه كمؤشر على الباطن لأن الذي يرفع صوته على صوت أحد ينبئ عمله هذا عن أنه يترفع منه، وهذا ما يسد عليه الباب من كسب الفيض منه سداً. فإن كان هذا تعامل طالب مع أستاذه يحرم من فيضه، وإن تعامل أحد ذلك مع رسول الله فلا يحرم من فيضه فقط بل من توفيق الله أيضًا. لأن الرسول هو ممثل لله سبحانه وتعالى.( تدبر القرآن 7/489)