الذات
فقد صرح القرآن صراحة تامة في ذات الله سبحانه تعالى أنه لا يدركه الإنسان، إذ إن وسائل الإدراك وذرايعه يحيط بها الذات الخالق ويدركها، ولكن هذه الآلات والوسائل لاتحيط بها ولا تدركها أيما إدراك. ثم ليتوضح أن إدراكنا هو انفعال محض. فمثلًا البصارة من أهم الحواس التي أعطاها الله الإنسان ومنح لذلك العينان. ولكن العينان أيضًا تقصران من رؤية شيء إذا لم ينعكس النور منه. ولذا قال تعالى:
لاَ تُدْرِکُه الْاَبْصَارُ وَهوَ یُدْرِکُ الْاَبْصَارَ، وَهوَ اللَّطِیْفُ الْخَبِیْرُ. (الأنعام:103)
وقد تحدث القرآن قصة موسى إذ التمس من ربه: رب أرني أنظر إليك، كي لا يتعد الإنسان حدوده ويستحضر دائمًا أنه إذا لم يمكن إدراك الذات إلالهي ورؤيته لموسى كليم الله، فأنّى هذا للآخرين فقال:
وَلَمَّا جَآءَ مُوْسٰی لِمِیْقَاتِنَا وَکَلَّمَه رَبُّه، قَالَ: رَبِّ اَرِنِيٓ اَنْظُرْ اِلَیْکَ، قَالَ: لَنْ تَرٰني وَلٰکِنِ انْظُرْ اِلَی الْجَبَلِ، فَاِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَه فَسَوْفَ تَرٰنِي، فَلَمَّا تَجَلّٰی رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَه دَکًّا وَّخَرَّ مُوْسٰی صَعِقًا، فَلَمَّآ اَفَاقَ، قَالَ: سُبْحٰنَکَ، تُبْتُ اِلَیْکَ، وَاَنَا اَوَّلُ الْمُؤْمِنِیْنَ.(الأعراف ۷:143)
وقال الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي في تفسير الآية ما نصه:
"هذه المشاهده قد تمت لطمأنينة موسى عليه السلام كي يعلم أن لا تسطيع الجبال الرواسي تحملَ التجلي الإلهي مع جمودها وصلابتها، فكيف بك كإنسان ضعيف البنيان، الإنسان يحرز قوة التحمل المحدودة، أبصارها تستطيع رؤية النور ولكن إذا تعد النور حداً خاصاً وتجاوزه تشوهت العيون، بل ربما سلبت منها البصر. وآذان تسمع الأصوات ولكن تتحمل فقط سماع الأصوات إلى حد مقرر، فإن تجاورت رعدة البرق تجاوزاً فسدت وتمزقت طبلة الآذان، والإنسان في حاجة ماسة إلى حرارة الشمس لبقاء حياته، ولكن نورها وحرارتها تكون له مقوية ما دامت تتوصل إلى الإنسان عبرَ مسافات طويلة وعبرَ العديد من الستائر الهوائية، وما دامت توصل نورها إلى الإنسان إمرارا ًلها أولًا بكثير من المناخل، ثم من خلالها تتوصل إليه. فإن قربت الشمس منه ذات يوم، وألقت نظرتها إليه لأحرقت الحيوانات كلها وصارت رماداً. فإذا كانت الطاقة البشرية ضعيفة مثل هذا الضعف بإزاء مخلوقات هذا الكون، فكيف تتحمل تجلي الذات البحت، التي هي نور مطلق، وما وراء كل الكيف والكم، سبحانه وتعالى: (تدبر القرآن:3/360)
ولا شبهة أن أهل الإيمان يرون ربهم كما تفيد بذلك الآية: کَلَّآ، اِنَّھُمْ عَنْ رَّبِّھِمْ یَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوْبُوْنَ، (المطففين:15)
وذلك لمنكري الحق فعلم منه أن أهل الإيمان لا يكونون محرومين منه، ورفعت لهم كافة الستائر والحجابات. ولكن للرؤية أيضًا درجات. فهذه الرؤية لا تكون إدراكه بالأبصار والأغلب أن تكون صورته أن ترفع الحجابات ويرى الناس ربهم كما يرون الشمس والقمر ويرون النجوم والكواكب. ورؤيتهم لها لا تزيد على أن يروا نورًا يبلغهم منعكسًا من هذه الأجرام الفلكية. وعلى سؤال الناس له قد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل كهذا،(البخاري رقم:4581 ومسلم رقم : 451) وقال: ترون ربكم لا يحول بينه وبينكم إلا رداء الكبرياء. (رواه البخاري رقم 4878 ومسلم رقم 448) ولم يبق بعد ذلك إلا طريق التشبيه والتمثيل وقد اختاره القرآن في بيان الجنة والنار. والنفس الإنساني تختار هذا الطريق في بيان مشاهداتها الروحية في عالم اليقظة وفي الرؤيا أيضًا. ولكن لا إمكان له هناك في ما يتعلق بالله تعالى. فإن الإنسان إنما يقيم تصور الأشياء بتواجد شيء مماثل لها في داخله أو في خارجه، وليس عنده شيء مماثل له فيما يتعلق بذات الباري تعالى. فبابه أيضًا مغلق للأبد فقال:
فَلاَ تَضْرِبُوْا لِلّٰہِ الْاَمْثَالَ، اِنَّ اللّٰہَ یَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُوْنَ.(النحل : 74)
