الصفات
أما صفات الله تبارك وتعالى فإن الإنسان يستطيع إدراكها في درجة ما. ووجه ذلك أن الإنسان يحوز ببعض الأشياء المتصلة بالصفات ولو بدرجة تافهة جدًّا. فإن الله قد أعطانا جزءاً من علمه وخبره وقدرته وربوبيته ورحمته وحكمته تعالى. فلنا أن نقيم تصوراً لصفات الله تعالى قياساً على تلك الصفات. ونفهم ذلك بطريق آخر وهو أن الإنسان هو انفعال محض. وهو عبارة عن الإرادة والقول والمشيئة والكلمة والأمر الذي يصدر عن الفاعل الحقيقي، ودلت الآية رقم 82 من سورة يونس على ذلك تقول: إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. فحقيقة الشيء هي الإرادة الإلهية التي تظهر في الشيء هي صفات هذه الكلمة. وهو حقيقة وجود الإنسان. ثم إن الإنسان يشعر بوجوده ولذا يفهم صفات فاعله لحد ما. ولكن لازم لذلك أن يدوم الإنسان على إيقاظ عقله وعلى التفكر في آيات الله في الآفاق والأنفس، في ضوء وحي الله سبحانه. ومن هنا يحرض القرآن في أكثر من مرة مخاطبيه على التعقل والتفكر والتذكر.
وقد أوضح الأستاذ الإمام أمين أحسن هذه التعبيرات فقال:
" والهدف من التعقل أن الإنسان لا يتبع أهواءه وشهواته وعواطفه فقط في أمور حياته، ولا يتبع أوهامه وأخيلته بل يسترشد العقل الذي أعطاه الله ويعتمد على ترشيده، والتفكير يعني أن يتفكر الإنسان في قوانين نظام العالم، ومطالبات الفطرة الإنسانية ومقتضياتها، وأن ينقاد للقواعد والأصول التي تتولد منها، لحياة الإنسان بصدق كامل وديانة تامة، ويعني التذكر أن يتذكر الإنسان تلك البدهيات التي يعتقدها في خضمّ شهواته ومشاعره وأن ينقاد بدون تردد ما للنتائج اللازمة من البدهيات" (تزكية النفس: 92)
فإذا تفكرت بهذا الطريق علمتَ أن كل شيء في الأنفس والآفاق يشهد أن الله ليس هو علة العلل محضًا وواجب الوجود صرفًا، ابتدأت منه سلسلة العلة والمعلول، والذي كان ويكون على كل حال، بل هو صاحب الإدراك والإرادة الذي يحمل سائر الصفات العالية.
وفيما يأتي نوضح ذلك إيضاحاً مفيداً.
1 – المادة خالية من الإرادة كما هي خالية من العلم والعقل أيضًا. وكذلك معرفة النفس وإرادتها وقواتها الأخرى ليست ذاتية لها بسبب ضعفها ونسيانها وقلة العزيمة لها. ومع ذلك فقد تحدث منها فوائد جمة وتغيرات كثيرة عجيبة لا تحدثها طاقة صماء ولا بكماء وعمياء. ولذا فكلاهما مخلوقان. وكل مخلوق يطلب لنفسه خالقاً. كما قال تعالى:
اَمْ خُلِقُوْا مِنْ غَیْرِ شَیْءٍ اَمْ هُمُ الْخٰلِقُوْنَ؟ اَمْ خَلَقُوا السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ؟ بَلْ لَّا یُوْقِنُوْنَ. (الطور: 35-36) وقال أيضًا:
ذٰلِکُمُ اللّٰہُ رَبُّکُمْ، خَالِقُ کُلِّ شَیْءٍ، لَآ اِلٰه اِلَّا هوَ، فَاَنّٰی تُؤْفَکُوْنَ.
(المؤمن: 62)
2 – وهذا الخالق للأرض والسماء لا يحتاج إلى شيء. لأن الخلق إنما نشأ عن علة واحدة وهي إرادة الرحمة، فإذا أراد أن ينعم خلقَ الخلق وأعطى مخلوقه من النعم والآلاء مما لا يُعد ولا يحصى. ولذا سمي نفسه الرحمن مع اسمه الله. فقال:
اَلرَّحْمٰنُ عَلَّمَ الْقُرْاٰنَ، خَلَقَ الْاِنْسَانَ، عَلَّمَه الْبَیَانَ، اَلشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَّالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ یَسْجُدٰنِ، وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِیْزَانَ اَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِیْزَانِ، وَاَقِیْمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِیْزَانَ، وَالْاَرْضَ وَضَعَهَا لِلْاَنَامِ، فِیْها فَاکِهة وَّالنَّخْلُ ذَاتُ الْاَکْمَامِ، وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّیْحَانُ، فَبِاَي اٰلَآءِ رَبِّکُمَا تُکَذِّبٰنِ.(الرحمٰن ۵۵: ۱۔۱۳)
- – والعلم هو العلم للقوة محضاً، ولذا كل علم هو شهادة للقوة. وهذه القوة إذا لم تكن من صاحب الإرادة والإدراك لزم أن تكون جبراً محضاً. ولكن نظم العالم وترتيبه الخاص ومعنويته العميقة ينفي ويرد الجبر المحض. لأن كل شيء من ذلك لا يكون بدون تصرفات العلم والعقل، ولذا ليس الخالق فقط قديرًا بذاته بل هو مع ذلك عليم وحكيم. كما قال تعالى:
قُلْ، اَئِنَّکُمْ لَتَکْفُرُوْنَ بِالَّذِي خَلَقَ الْاَرْضَ فِي یَوْمَیْنِ وَتَجْعَلُوْنَ لَہٗٓ اَنْدَادًا؟ ذٰلِکَ رَبُّ الْعٰلَمِیْنَ، وَجَعَلَ فِیْہَا رَوَاسِي مِنْ فَوْقِہَا وَبٰرَکَ فِیْہَا وَقَدَّرَ فِیْہَآ اَقْوَاتَہَا فِي اَرْبَعَۃِ اَیَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئلِیْنَ، ثُمَّ اسْتَوٰٓی اِلَی السَّمَآءِ وَهي دُخَانٌ، فَقَالَ لَہَا وَلِلْاَرْضِ: ائۡتِیَا طَوْعًا اَوْ کَرْها، قَالَتَآ: اَتَیْنَا طَآئعِیْنَ، فَقَضٰہُنَّ سَبْعَ سَمٰوَاتٍ فِي یَوْمَیْنِ وَاَوْحٰی فِي کُلِّ سَمَآءٍ اَمْرَها وَزَیَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْیَا بِمَصَابِیْحَ وَحِفْظًا. ذٰلِکَ تَقْدِیْرُ الْعَزِیْزِ الْعَلِیْمِ. (حم السجدة: 9-12)
4– إن قيام الأنفس والآفاق حقيقة لا تجحد، ولا يتصور بغير وجود حيّ قائم. ولذا فإن الخالق ليس حياً قائماً بل قيوماً كما قال:
اَللّٰہُ لَآ اِلٰہَ اِلاَّ هُوَ اَلْحَي الْقَیُّوْمُ، لاَ تَاْخُذُہٗ سِنَۃٌ وَّلاَ نَوْمٌ، لَہٗ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ، مَنْ ذَا الَّذِي یَشْفَعُ عِنْدَہٗٓ اِلاَّ بِاِذْنِہٖ، یَعْلَمُ مَا بَیْنَ اَیْدِیْہِمْ وَمَاخَلْفَہُمْ، وَلاَ یُحِیْطُوْنَ بِشَیْءٍ مِّنْ عِلْمِہٖٓ اِلاَّ بِمَا شَآءَ، وَسِعَ کُرْسِیُّہُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَلاَ یَئُوْدُہٗ حِفْظُہُمَا، وَهُوَ الْعَلِي الْعَظِیْمُ.(البقرة ۲: ۲۵۵)
5 – وما هو الزمان؟ هو تصور منتزع من صفة البقاء لصفات ذلك الخالق الحي القيوم. فهو الأول ليس قبله شيء ،وهو الآخر ليس بعده شيء. وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس تحته شيء، إنه لا يحدّه زمان ولا مكان وعلمه البتة يحيط بالزمان والمكان كليهما كما قال عز من قائل:"هو الأول والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم: (الحديد:3)
6 – وتصور الذات بدون صفات إنما هو مفروض. وسائر النزاعات والنقاشات في ذلك لفظية ومرفوضة ولذا كافة المحاسن الذاتية والصفات الحسنة من خلق وعدل، ورحمة ورأفة وعلم وحكمة، ثابتة لله سبحانه ومقدمة على آثارها، لأن علة الشيء تتقدمه دائمًا. ومن هنا قال إنه يبقى جلال الله وإكرامه في شأنه العظيم بعد الفناء العام للدنيا، فقال:
کُلُّ مَنْ عَلَیْها فَانٍ وَّیَبْقٰی وَجْہُ رَبِّکَ ذُوالْجَلٰلِ وَالْاِکْرَامِ. (الرحمن: 26-27)
7 – ولكن يجب مراعاة جهة الحسن في فهم صفات الله عز وجل فإن القدرة تمدح عند ما تكون مع الرحمة والكرام والعدالة. ويختص ظهور صفات الغضب من الانتقام والقهر والغضب، إذا وجد ضد الظلم والعدوان. كما أن صفات الرحمة والمغفرة والجود والكرم تستحق المدح والثناء في محلها، ويرشدنا إلى ذلك النكة اللطيفة. جهة الحسن. بما جاء القرآن بازدواجية الغني مع الحميد والعليم مع الحكيم وربط العزيز بالغفور وما إلى ذلك من صفات فقال:
وَلِلّٰہِ الْاَسْمَآءُ الْحُسْنٰی فَادْعُوْہُ بِها، وَذَرُوا الَّذِیْنَ یُلْحِدُوْنَ فِيٓ اَسْمَآءِہٖ، سَیُجْزَوْنَ مَا کَانُوْا یَعْمَلُوْنَ.(الأعراف ۷: ۱۸۰)
8 – وأيما تصور أقمته الله تعالى لا يخلو من صفات الجلال والجمال والكمال، فإذا كان الواحد الأحد الصمد مثلاً صفات كمالية، والقدوس السلام المؤمن صفات الجمال، فا الملك العزيز الجبار كلها صفات الجلال. وصفات الجلال تحدث في قلب الإنسان عواطف الخوف والمدح والتعظيم، وصفات الجمال تحدث مشاعر الحمد والرجاء. ثم إن صفات الجلال تقترب من الحواس الظاهرة وصفات الجمال تكون أقرب من العقل والقلب. فإذا وضعت أمامك ربك تغلب صفات الجمال وإذا رأيت النفس الإنساني قدامك، يبرز جانب الجلال، والإنسان يهلع إلى ربه بخشية ويلتجئ إلى صفات الجمال لربه كما يشهد عليه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أعوذ بك منك (رواه مسلم رقم 1090) فهذا دعاء عبد مستغرق في حب الخالق تعالى ويخشى من استغنائه وكبريائه، ويشتاق للُقياه ويستسلم لقضائه، بأدب جم وخلوص تام، فعندما يقول القرآن إن له الأسماء الحسنى كلها، فيعني به أن كل اسم ينبئ عن جلال الله وكما له وجماله هو حسن، وهو له ويمكن أن يُدعى منه، فقال:
قُلِ: ادْعُوا اللّٰہَ اَوِادْعُوا الرَّحْمٰنَ، اَیًّا مَّا تَدْعُوْا فَلَہُ الْاَسْمَآءُ الْحُسْنٰی. (بني إسرائیل: ۱۱۰)
وقد أسهب في هذه المباحث الإمام حميد الدين الفراهي في كتابه "القائد إلى عيون العقايد ما نصه: "وبالجملة فليكن الرب تعالى في قلبك كريمًا.رحيمًا. عفوًّا. غفورًا. ضاحكًا مبتسمًا. ملاطفًا في كمال الجمال والرأفة، أكرم الكرماء وأرحم الراحمين، ناصراً لك. منتقماً من أعدائك. لتسكن إليه وترغب في قربه وتشتاق للقائه. ثم تعلم إنه قدوس وهو الحق المبين فمحال في العقل أن يفرق بين المحسن والمسيء. أو يتقرب إليه الخبيث المتدنس الظالم العنيد، مناع للخير معتد مريب، الملح المصر على مخالفة الحق والخير، ولكنه تواب لمن تاب، وبدل حسنًا بعد سوء. ثم بعد ذلك لا يزال مذكرًا لكمال عظمته وكبريائه، ليحافظ على الأدب والخشوع، ويعلم أنه لاحاجة له إلى أحد من الخلق، غني عن العالمين، رفيع الدرجات في تدبيره، فمع أنه لا يحكم إلا بالحق والرحمة لا يعلمون منه إلا بقدر ما يليق بهم فيجب التسليم لما قضى والرضا بما أمر ونهى. فهذا العبد المتصف بالمحبة للرب والشوق للقائه وبالخشية لاستغنائه وكبريائه وبالأدب والتسليم لقضائه، يتعبد له ويفر إليه ويتوكل عليه." (ص43 )
9 – وعظمة الله تعالى تبرز من صفات كماله، فإذا أقام الإنسان تصوراً صحيحاً لها ينتج من ذلك أن تؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي هو ملجأ الكل ومالك ما في السماوات والأرض لا غير، لا شريك له في ملكه، ولا سهيم له في قدرته، لا يخفى عليه شيء من الدنيا. ولا يغيب عنه شيء منه. وكل شيء محتاج إليه ولا يحتاج إلى شيء. وتسبح له السماوات وكل شيء من الجماد والنبات والحيوان وتهلله. قدرته لا نهاية. وسعه غير محدود ومشيته جارية في كل ذرة من الكون. يفني ما يشاء ويحيه إذا شاء. بيده العزة والذلة. والكل فان، وهو وحده الباقي. وهو وراء الوراء لكنه أقرب من حبل الوريد، يحيط علمه واقتداره بكل شيء. وهو خبير بذات الصدور. إرادته نافذة في كل إرادة. وحكمه عالٍ على كل حكم. إنه طاهر من كل عيب ومنزه من كل سوء، وبريء من كل اتهام. فقال تعالى:
سَبَّحَ لِلّٰہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِیْزُ الْحَکِیْمُ. لَہٗ مُلْکُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، یُحْيٖ وَیُمِیْتُ، وَهوَ عَلٰی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیْرٌ. هوَ الْاَوَّلُ وَالْاٰخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَهوَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیْمٌ. هوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ فِي سِتَّۃِ اَیَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوٰی عَلَی الْعَرْشِ، یَعْلَمُ مَا یَلِجُ فِي الْاَرْضِ وَمَا یَخْرُجُ مِنْہَا، وَمَا یَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا یَعْرُجُ فِیْہَا، وَهُوَ مَعَکُمْ اَیْنَ مَا کُنْتُمْ، وَاللّٰہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِیْرٌ. لَہٗ مُلْکُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَاِلَی اللّٰہِ تُرْجَعُ الْاُمُوْرُ، یُوْلِجُ الَّیْلَ فِي النَّہَارِ وَیُوْلِجُ النَّہَارَ فِي الَّیْلِ، وَهوَ عَلِیْمٌ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ.(الحدید ۵۷: 1-6)
10- وأهم الصفات الكمالية لله تعالى هو توحيده. وقد أكد عليه القرآن أكثر من كل ذلك وأوضحه إيضاحاً تاماً. حتى أن الباب الأخير لهذه الصحيفة السماوية قد اكتمل بلحاظ مضمونه على سورة أرشد الله عز وجل فيها رسوله أن يعلن التوحيد ويصرحه أمام الناس فقال:
قُلْ: هُوَ اللّٰہُ اَحَدٌ، اَللّٰہُ الصَّمَدُ، لَمْ یَلِدْ وَلَمْ یُوْلَدْ، وَلَمْ یَکُنْ لَّہٗ کُفُوًا اَحَدٌ..(الإخلاص:1-4)
وهدف كل جهود الأنبياء عليهم السلام هو إقامة هذا التوحيد، فإن كل لفظ لتاريخه الذي بيّنه القرآن يشهد لذلك. يقول الأستاذ الإمام في ذلك:
"إنهم يأتون إلى العالم أن يخرجوا عباد الله من عبادة الآخرين إلى عبادة الله وحده. حتى يؤمنوا به خالقا ًوملكاً يعبدونه فقط، ويطيعونه ويتوكلون عليه ويستغيثون منه. يشكرون على نعمته ويستغيثون منه إذا داهمتهم مصيبة. ويلتجئون إليه في الطمع والخوف والرجاء وفي كل حال. يسلمون نفوسهم له بالكلية. فتكون محبتهم تابعةً لحبه ورضاهم تابع لرضاه، ويعترفون أحديته تعالى في كل صفاته، في حقوقه وفي ذاته ولا يشركونه أحداً في هذه الأشياء، لا مَلكاً ولا جناً ولا نبياً ولا وليا ًولا أحداً ولا أنفسهم."(حقيقة التوحيد والشرك ص 310)
ولهذه الأهمية للتوحيد قد صرح القرآن أنه لا يقبل عمل بدونه ويمكن أن يغتفر كل ذنب وخطأ مع تواجده فقال:
اِنَّ اللّٰہَ لاَ یَغْفِرُ اَنْ یُّشْرَکَ بِہٖ وَیَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذٰلِکَ لِمَنْ یَّشَآءُ، وَمَنْ یُّشْرِکْ بِاللّٰہِ فَقَدِ افْتَری اِثْمًا عَظِیْمًا.(النساء: 48)
ووجه ذلك أن العبد لا يكون متمرداً وملحاً على الذنب مع التوحيد ولا يحرم من التوبة والاستغفار بعد ارتكاب ذنب أو خطأ. إنه يرجح إلى ربه ويتوب باللزوم ويستحق العفو والصفح عنه قبل مثوله في يوم القيامة، وبناء ًعلى ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن إقرار التوحيد ضامن لدخول الجنة فإن الله تعالى لا يلقي العبد الموحد في النار كما رواه البخاري في حديث رقم 5967 ومسلم رقم 136، 138 و139) ويكفي للاستدلال عليه أنه ليس لأحد دليل على اشتراك أحد في ألوهيته تعالى، فقد تحدى القرآن مخاطبيه في أكثر من مقام أن يأتوا بدليل من العقل والنقل على شركهم إن كان ذلك بوسعهم. إن لله تعالى شريك أم لا، الشهادة الحقيقية على ذلك يمكن أن تكون من الله نفسه، ولا يتم ذلك إلا بكتب نازلة وروايات وآثار، توارثتها البشرية جيلاً بعد جيل من أنبيائه ورسله. فليس فيها شهادة مؤيدة على الشرك، قال تعالى:
قُلْ، اَرَءَ یْتُمْ مَّا تَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللّٰہِ، اَرُوْنِي مَاذَا خَلَقُوْا مِنَ الْاَرْضِ، اَمْ لَہُمْ شِرْکٌ فِي السَّمٰوٰتِ. اِیْتُوْنِي بِکِتٰبٍ مِّنْ قَبْلِ هذَآ اَوْ اَثٰرَۃٍ مِّنْ عِلْمٍ، اِنْ کُنْتُمْ صٰدِقِیْنَ.( الأحقاف: 4)
وعلاوة على ذلك فإن دلائل التوحيد التي جاءت في القرآن هي مبنية على مسلمات العلم والعقل وعلى دلائل باهرة، وقد جاء الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي في تفسيره "تدبر القرآن" بتفسيرها وتوضيحها في مقامات كثيرة. نأتي هنا بآيات عديدة فجاءت في سورة البقرة:
وَاِلٰہُکُمْ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ، لَآ اِلٰہَ اِلاَّ هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِیْمُ. اِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّیْلِ وَالنَّہَارِ وَالْفُلْکِ الَّتي تَجْرِیي فِي الْبَحْرِ بِمَا یَنْفَعُ النَّاسَ، وَمَآ اَنْزَلَ اللّٰہُ مِنَ السَّمَآءِ مِنْ مَّآءٍ فَاَحْیَا بِہِ الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِہَا، وَبَثَّ فِیْہَا مِنْ کُلِّ دَآبَّۃٍ، وَّتَصْرِیْفِ الرِّیٰحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَیْنَ السَّمَآءِ وَالْاَرْضِ لَاٰیٰتٍ لِّقَوْمٍ یَّعْقِلُوْنَ. (163-164)
"فإذا تدبرت في هذه الآية رأيت أنها تذكرت من أولها إلى آخرها عناصر الكون المتقابلة بل المتضادة مع الإشارة إلى توافقها العجيب ووحدتها المحيّرة، وإلى ملاءمتها التي لا نظير لها التي توجد فيها لخدمة هذا الكون مجموعياً. فإذا رأيت بذلك أن السماء مع الأرض والليل مع النهار، والنهر مع الفُلك تتواجد فيها بينها نسبة الضدين بظاهرها. ولكن إذا أمعنت النظر رأيتَ أن هناك نسبة أخرى أيضًا فيما بينها مع نسبة الضدين، وهي نسبة الزوجين للمعاشرة والحياة الاجتماعية لهذا الكون ربطاً واتصالًا. فإن لم يتواجد هذا السماء وشمعتها الوهاج وقمرها اللامع لذهب كل روعة وكل ربيع للكون، بل يتلاشى وجود من أساسه كما أنه إذا لم يوجد هذه الأرض فمن يعلم أيًّا من الكواكب النجمية التي لا تعد ولا تحصى في هذا الفضاء اللامتناهي ستكون مقفرة؟ وعلى هذا القياس فكما أن حياتنا وحياة كافة الأحياء لهذا الكون مثلنا تحتاج إلى حرارة النهار وشدته وضيائه وطربه ،فإنها أيضًا تحتاج إلى برودة الليل ولطافتها وتسكينها ونومها. فكلاهما يُسكنان معاً هذا المنزل. وترى البحر كذلك. فكم من امتداده يبعث على الاستعجاب وهو يُرى إلى مدى لامتناهٍ. وكم هو أمواجه مهيبة مرهبة ومع كل ذلك فإنه يخرج لنا من فوق عين صدره الشوارع المصفاة والممهدة، حتى تسير عليها سفن وباخرات لنا ليلاً ونهاراً وتربط الشرق بالغرب في التجارة والأعمال المعيشية والحضارية والعلوم والفنون وفي كل شيء.
ثم ذكر نزول المطر من السماء وإحياء الأرض من ذلك المطر واخضرارها وعمارتها من جديد. فانظر أين السماء وأين الأرض منه. ولكن مع ذلك التباعد بينهما ارتباط واتصال عميق جدًّا. والأرض تتضمن خزائن الحياة والتطور، ولكنها تبقى كامنة في بطن الأرض حتى تنزل المطر من السماء وتكون سببًا لبروزها. وهناك ارتباط كهذا بين الهواء والغيوم. وكأن سفن السحاب والغيوم الحافلة قائمة فاتحة أشرعتها ولا تبرح من مكانها لإنشٍ واحد حتى تزحزحها الرياح وتدفعها لتصل إلى جهات مقررة لها. فهي التي تدفعها تارة ًإلى الشمال والجنوب وتارةً إلى الشرق والغرب، وتغييها إذا شاءت وتبرزها من جديد على الآفاق إذا شاءت.
وهناك سؤال ماذا تقضي نظرة تأّن وتدبر في هذه الدنيا؟ هل هي معترك الأضداد والمناقضات؟ والتي تتصادم فيها قوات وإرادات في صراع دائم؟ أو يحكمها حكيم مدبر يستخدم هذه العناصر المختلفة تحت نظام خاص له، بحكمة ولمقصد جماعي؟ والظاهر أن مشاهدة هذا الكون تفضي بك إلى نتيجة ثانية. ثم إذا تدبرت تدبرا مزيداً لوجدت حقيقة أخرى وهي أن هذا العالم لم يولد تلقائيًّا ولم يتقدم تقدماً تلقائياً، لأنه إن كان ذلك كذلك فمن أين جاء توافق وانسجام نجده في كل ناحية من هذا الكون؟: (تدبر القرآن: 1/401)
وقال تعالى: قُلْ، لَّوْ کَانَ مَعَہٗٓ اٰلِہَۃٌ، کَمَا یَقُوْلُوْنَ، اِذًا لاَّبْتَغَوْا اِلٰی ذِي الْعَرْشِ سَبِیْلاً.(بني إسرائيل: 42)
"وكان مشركو العرب قياساً على ملوك العالم وملوكيتهم يعتقدون أن الله تعالى هو المعبود الأعظم وهو صاحب التاج والملك الأكبر. ولكن كانت هناك آلهة كثيرة يشركونها في الوهية الله تعالى. باعتقادهم منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، وتفي لعُبادها بحاجاتهم وضرورياتهم منه. فالآية رد على توهمهم ذلك فقال إن كان معه آلهة شركاء معه كما تزعمون لساروا يومًا يخاصمون رب العرش العظيم ويتنازعون، وذلك ليفضي إلى فساد نظام العالم كله. يعني إذ تخيلتهم آلهة كثيرة قياسًا على سلاطين وملوك الأرض فانتم ترون في الأرض حكومات تجيء ودول تذهب على مر الأيام. فإن كان هناك شركاء مع الله فلماذا يقعدون ساكنين ولا يبذلون جهودهم حتى يكونوا صاحب عرش وكرسي. ولكن ترون هنا أن الشمس لم تنزلق انزلاقًا من محورها يومًا ،ولم تنحرف الأرض من مدارها. وعبر القرآن بهذه الحقيقة في مقام آخر بقوله: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا(الأنبياء:22) (تدبر القرآن:4/508)
وجاء في سورة الحج:
اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللّٰہَ یَسْجُدُ لَہٗ مَنْ فِی السَّمٰوٰتِ وَمَنْ فِی الْاَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُوْمُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَکَثِیْرٌ مِّنَ النَّاسِ، وَکَثِیْرٌ حَقَّ عَلَیْہِ الْعَذَابُ، وَمَنْ یُّهنِ اللّٰہُ فَمَا لَہٗ مِنْ مُّکْرِمٍ، اِنَّ اللّٰہَ یَفْعَلُ مَا یَشَآءُ. (الحج: 18)
"وهذا دليل التوحيد الذي يشهد له كل شيء من هذا الكون بوجوده. وقد أشرنا من قبل أن كل شيء للكون له مزاج إبراهيمي في حيثيته التكوينية. فإن كلًّا من الشمس والقمر، والنجوم والجبال والدواب كلها مسخر لله سبحانه فهي تحت أمره ونهيه. لا يستطيع أي شيء منها أن ينحرف انحرافًا ما من القوانين الإلهية. خذ الشمس ،التي عبدتها الملل الكثيرة أكثر من كل شيء، تشهد بوجودها أنها لا تبرح تعبد ربه قياماً وقعوداً وسجوداً في كل يوم. إنها ترفع رأسها من السجود وقت طلوعها ولا تزال على هذه الحالة إلى الظهيرة، ثم تركع بعد زوالها وتخر لله ساجدًا عند غروبها، وما تبرح على حالة السجدة طوال الليل. وهذه الحقيقة يُبديها القمر من عروجه ومحاقه كما أن النجوم تقوم بها بطلوعها وغروبها. وهو حال الجبال والأشجار والبهائم أيضًا، فظلال هذه الأشياء ما تزال في حالة القيام والركوع والسجود وفي كل وقت. ثم إذا تعمقت النظر رأيت أن فطرة هذه الظلال إبراهيمية كذلك لأنها تخالف الشمس دائما. فإن كانت الشمس في جهة الشمس تمتد الظلال إلى جانب الغرب، وإن كانت في جهة الغرب تمتد الظلال إلى جهة الشرق، فكان ظلال كل شيء تشهد بوجودها وتقول لنا إن الله تعالى هو يستحق السجود فقط ولا تجدر له الشمس. نعم هذا الدليل التوحيدي نوعيته كالإشارة. فلا يأخذه المنطق ولكن المتدبرين في نظام الكون يعطون لهذه الإشارات مكانة كبيرة. آن كس است اهل بشارت كه اشارت داند(1). (تدبر القرآن 5/229)
(1)مقولة فارسية تقول: من الذي يفهم الإشارة هو من أهل البشارة)
