متن الحديث
وبعد تحقيق سند الحديث الشيء الثاني هو متن الحديث. والأئمة المحدثون وإن لم يألوا جهدًا في التوصل إلى معلومات صحيحة عن حالات الرواة وسيرتهم، ونفقوا أعمارهم في هذه العملية ولكن مع ذلك قد بقي بعض الخلل الفطري في رواية الحديث كما هو الحال في كل عملية إنسانية، (1) فنظرًا إلى ذلك الخلل لا بد من أن ينظر إلى هذه الأشياء الآتية في متن الحديث أيضًا.
أولًا أن لا يكون في متن الحديث ما يخالف القرآن ولا السنة.
وثانيًا أن لا يكون فيه ما يعارض مسلمات العقل.
وعما يتعلق بالقرآن فقد قلنا من قبل أنه بمثابة الميزان والفرقان في الدين. وهو مهيمن على كل شيء وأنزل حَكمًا للتمييز بين الحق والباطل، ولذا لا نحتاج إلى استدلال زائد على ذلك أنه إذا كان هناك شيء يخالف القرآن يرد لازمًا.
وهذا هو أمر السنة أيضًا فإن هداية الدين التي وصلتنا بطريق السنة قد ثبت عنها بقطعية كاملة أن النبي قد أجراها باهتمام كامل مثل القرآن، فلا فرق فيها بين القرآن والسنة من حيث اعتبار الثبوت. فكما أن القرآن ثابت بإجماع الأمة فكذلك السنة أيضًا تؤخذ من إجماع السنة. وبما أن هذه الحقائق المتصلة بالسنة قاطعة تامة، فإذا كان خير الواحد ينافي السنة ولا وجه بينهما للتوافق فيرد خبر الواحد لازمًا.
ومسلمات العلم والعقل أيضًا تحرز هذه الحيثية في هذا الباب. والقرآن صريح في ذلك، فإن دعوته تقوم تمامًا على هذه المسلمات، ويقوم استدلاله في مباحث التوحيد والمعاد الجزرية أيضًا عليها أصالةً. وإنه يبرز للناس بطريق تعليماته مما تتقاضاه مسلمات العلم والعقل وتطالبه. فكل طالب للقرآن وافق على أنه يقدمها كحكم لدعوته فقد قدمها أمام مشركي العرب وأمام اليهود والنصارى أيضًا كقول فصل. وهو يقول إنه من يخالف مسلمات العقل والنقل فإنه يتبع هواه. فحقائق الوجدان ومصدقات التاريخ، وثمرات ونتائج التجربة والمشاهدة قد جاءت في القرآن كمسلمات للعقل والعلم. ولذا فالأشياء التي جعلها القرآن بذاته معيارًا للتمييز بين الحق والباطل، إذا جاء هناك خبر الواحد ينافيها فكيف تقبله؟ والظاهر أننا سنرده على كل حال.
1 – انظر للاستزادة في ذلك مؤلَف الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي "مبادئ تدبر حديث"
فإن الأئمة المحدثين قد ذهبوا هذا المذهب في هذا الباب. الكفاية في علم الرواية هو أم الكتاب في فن أصول الحديث ومصنفه الإمام الخطيب البغدادي يقول:
"ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل مقطوع به. (432)
ولنأخذ بعد ذلك مبادئ فهم الحديث
