الأصل الأول
السنة تكون فقط ما هو دين باعتبار نوعيته. أي ما يتعلق إما بالعبادات أو بتطهير البدن أو بتطهير الأكل والشرب أو بتزكية الأخلاق. لأنه إن اسُتقصي جميع أحكام الدين اتضح أنه منحصر في هذه الأشياء الأربعة. والقرآن واضح كل الوضوح أن أنبياء الله كانوا قد بعثوا لإبلاغ الدين. وهذا كان دائرتهم في العلم والعمل. فكانوا لا يتعلقون أصلًا بشيء آخر. ولا شك أنه كان منهم إبراهيم بن آزر، وموسى بن عمران وعيسى ابن مريم ومحمد بن عبد الله مع مكانتهم النبوية، ولكنهم لم يقوموا بأية مطالبة من الناس في حيثيتهم هذه، فكانت مطالباتهم كلها من الناس من حيث إنهم أنبياء الله، وما أوتوا من حيث الأنبياء هو الدين لا غير، وإبلاغ هذا الدين إلى الناس هو مسؤوليتهم الحقيقية.كما قال تعالى:
شَرَعَ لَکُمْ مِّنَ الدِّیْنِ مَا وَصّٰی بِه نُوْحًا وَّالَّذِي اَوْحَیْنَآ اِلَیْکَ وَمَا وَصَّیْنَا بِه اِبْرٰھِیْمَ وَمُوْسٰی وَعِیْسٰٓی اَنْ اَقِیْمُوا الدِّیْنَ وَلَا تَتَفَرَّقُوْا فِیْه.(الشوریٰ: ۱۳)
فهذا معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخدم السيف فالنبل والأسلحة الأخرى في الحرب. وقد سافر على الجِمال وبنى المسجد وسقّفه بجذوع النخيل، وأكل بعض الأطعمة باعتبار الثقافة العربية العاصرة، أحب بعضها وكره بعضها، ولبس لباسًا من وضع خاص كان يُلبس في العرب آنذاك. وفي اختياره كان هناك تدخل لذوقه الشخصي. على أنه ليس شيء من ذلك يعتبر سنة. ولا أحد من أهل العلم بقوله سنة. والنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه قد أوضح ذلك في مناسبة. فقال:
"إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر، فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تأخذونّي بالظن. ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله، أنتم أعلم بأمر دنياكم. (رواه مسلم رقم الحديث 6128-6126)(1)
