شفاعة النبي
إن فريضة النبي الأصلية هي الإنذار والتبشير. ولكنه مع ذلك يشفع للعباد في حضرة الله تعالى. ولكن ما هي الشفاعة؟ إذا استغفر عبد وتاب فهو طلب من الله الاستغفار له ودعاء النبي من الله أيضًا هو شفاعة له. وهو مفهوم حقيقي للشفاعة فلا تتصور شفاعة بدون استغفار وتوبة من العبد نفسه. والشافع يكون كفرد ثانٍ وكلسان للمستغفر ويكون عونًا له في الدعاء والمناجاة والخضوع والتذلل. كما قال تعالى:
وَاِذَا قِيْلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُوْلُ اللّٰهِ لَوَّوْا رُءُوْسَهُمْ وَرَاَيْتَهُمْ يَصُدُّوْنَ وَهُمْ مُّسْـتَكْبِرُوْنَ ( المنافقون: 5)
وأول موقعة للشفاعة تأتي إذا جاء عبد في حيز الإيمان ويستغفر له النبي. وثانيًا إذا ذنب عبد واستغفر وتاب إلى الله فقد نصح الله عز وجل لمنافقي عهد الرسالة في موضع أنهم إذا شاؤوا أن يغفر لهم يجب عليهم أن يستغفروا بأنفسهم ويأتوا الرسول يلتمسون منه الاستغفار لهم، فرجوعهم هذا يكون سببًا لأن يتوجه إليهم رحمة الله تعالى فقال:
وَلَوْ اَنَّهمْ اِذْ ظَّلَمُوْا اَنْفُسَهُمْ جَاءُوْكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّٰهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُوْلُ لَوَجَدُوا اللّٰهَ تَوَّابًا رَّحِـيْمًا (النساء: 64)
وقد دعا الله سبحانه عباده المذنىبين الخاطئين إلى التوبة والاستغفار في أكثر من موضع في القرآن الكريم فمرة قال: قُلْ يٰعِبَادِيَ الَّذِيْنَ اَسْرَفُوْا عَلٰي اَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوْا مِنْ رَّحْمَةِ اللّٰهِ اِنَّ اللّٰهَ يَغْفِرُ الذُّنُوْبَ جَمِيْعًا اِنَّه هُوَ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ (الزمر: 53 وأيضًا يوسف : 87) ثم أوضح أيضًا سنته في باب التوبة والاستغفار وهي أن يتوب العبد على أسرع وقت ممكن بعد أن أذنب لأنه: اِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَي اللّٰهِ لِلَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ السُّوْءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوْبُوْنَ مِنْ قَرِيْبٍ فَاُولٰىِٕكَ يَتُوْبُ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّٰهُ عَلِــيْمًا حَكِـيْمًا - وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ السَّـيِّاٰتِ حَتّٰى اِذَا حَضَرَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ اِنِّىْ تُبْتُ الْــٰٔنَ وَلَا الَّذِيْنَ يَمُوْتُوْنَ وَهُمْ كُفَّارٌ اُولٰىِٕكَ اَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا اَلِـــيْمًا( النساء: 17-18) وهناك قد سكت الله عز وجل عن الذين لم يسعدوا بالتوبة من قريب ولكن لم يتأخروا أيضًا أن يأتيهم الموت. فهم الذين تتوقع فيهم الشفاعة فقد أثبتها القرآن، ولكنه رد أيضًا ردًّا صريحًا على تصورات خاطئة للشفاعة اختلقها الناس من عند أنفسهم، وتنفي عدل الله ووجوب الجزاء والعقاب أيضًا.
أولاً الشفاعة هي لله عز وجل فقط فلا يشفع أحد بغير إذنه حتى وملائكته المقربون أيضًا، فلا بد إذن من إرضاء الرب تعالى حتى يأذن للشفاعة ويتقبلها كما جاء : اَمِ اتَّخَذُوْا مِنْ دُوْنِ اللّٰهِ شُفَعَاءَ قُلْ اَوَلَوْ كَانُوْا لَا يَمْلِكُوْنَ شَـيْـــــًٔا وَّلَا يَعْقِلُوْنَ - قُلْ لِّلّٰهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيْعًا لَه مُلْكُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ (الزمر: 43- 44) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمٰنُ وَلَـدًا سُبْحٰنَه بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُوْنَ - لَا يَسْبِقُوْنَه بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِاَمْرِه يَعْمَلُوْنَ (الأنبياء: 26-27)
وثانيًا تؤذن للشفاعة من الله تعالى فبغير إذنه لا يمكن لشخص أن يتكلم في شخص فقال :يَعْلَمُ مَا بَيْنَ اَيْدِيْهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُوْنَ اِلَّا لِمَنِ ارْتَضٰى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِه مُشْفِقُوْنَ (الأنبياء:28) يَوْمَىِٕذٍ لَّا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ اِلَّا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ وَرَضِيَ لَه قَوْلًا - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ اَيْدِيْهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيْطُوْنَ بِه عِلْمًا (طه: 109-110)
وثالثاً التكلم يتم فقط فيمن أذن له الله وأن يكون صواباً صحيحًا فقال: لَّا يَتَكَلَّمُوْنَ اِلَّا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ وَقَالَ صَوَابًا (النبأ: 38)
فهذه هي وجهة نظر القرآن في باب الشفاعة. يجب أن تحكم في ضوئها على روايات وآثار جاءت في باب الشفاعة فإذا تجاوز شيء فيها عن ذلك يجب أن ترد اعتبارًا بها من قبيل تصرفات الرواة فيما يروونه.
