logo

خلفية التاريخ

خلفية التاريخ

العاشر أن القرآن له تاريخ يقول إنه أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن السابع الميلادي وكان نزوله في أرض نعرفها بجزيرة العرب. وهذا التاريخ يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا قد أوضح مفاهيمه على الناس إذا احتاج إليه، ولم يزل وعلماء الصحابة كما أن علماء الأمة ومحققوها أيضًا يقومون بخدمة الفهم والتفهيم للقرآن ولا يزالون. هذا التاريخ مسلم ويقتضي بعض الأشياء من طلابه وهي كالتالي:

الأول يجب أن يطلع المرء على تاريخ جزيرة العرب وتاريخ زمان نزوله. فإن كل طالب للقرآن واقف على أنه يذكر اندثار الأقوام البائدة من العرب مثلًا قوم عاد وثمود وقوم مدين. ويبحث عن معتقداتها، ويتحدث عن دعوة أنبيائها وما كان من رد فعل لها على دعوة الأنبياء. ويحكي عن مقدم سيدنا إبراهيم عليه السلام وتقديم ابنه إسماعيل للذبح وتعمير بيت الله بمكة، ويشير إلى تأثير هذه الأحداث على الحالات الحضارية والأخلاقية والاجتماعية والمعيشية لجزيرة العرب.

كما أنه قد أشار إلى ما جاءت به قريش من تحريفات في دين إبراهيم وكيف استبدلت مركز التوحيد بيت الله الحرام في بيت الأصنام، وما جاءت ببدعات ورسوم نتيجة لذلك. وكذلك يبحث عن ملابسات زمن النزول والأحداث والوجهات السياسية والعقائد الدينية والتصورات، فلفهم هذا كله لا بد من الاستفادة بتاريخ معاصر لنزوله إلى حد ما أمكن التعثر عليه، مع إبقاء حكومة ألفاظ القرآن ونظمه إبقاءً كليًّا. فمن الحقيقة أنه يساعد مساعدة كبيرة في فهم بعض إشارات القرآن وفي كشف غوامضه.

الثاني يجب إعطاء أهمية كبيرة لما جاءت من أخبار وروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن آثار مروية متصلة عن الصحابة في كتب الأحاديث والآثار. ولا شبهة أنها اشتملت كل رطب ويابس ثم إن الرواية بالمعنى أيضًا قد غيرت الكلام تغيرًا كثيرًا ولكن أهل النظر يعرفون أنه لا تقل الجواهر الكريمة حيث توجد الحجارة والخزف. وما هو التعامل الصحيح في ذلك؟ فقد قال الأستاذ الإمام في مقدمة تفسيره بما يأتي:

"إن أشرف شيء وأزكاها في المصادر الظنية للتفسير هو ذخيرة الأحاديث والآثار. ولو حصل لنا الاطمئنان الكامل في صحتها لكانت لنا في الأهمية والعظمة مثل السنة المتواترة. ولكن بما أننا لا نطمئن في صحتها اطمئنانًا تامًّا اضطررنا على الاستفادة بها ما دامت تتوافق المبادئ القطعية التي ذكرناها فيما مضى  أعلاه، والذين يعطون الأحاديث والآثار أهمية بالغة أن يجعلونها حاكمة على القرآن بذاته، لا يعرفون قدر الحديث ولا قدر القرآن. وعلى عكس من ذلك الذين لا يحتجون بالأحاديث احتجاجًا ما إنهم يحرمون أنفسهم من ضوء أثمن وأغلى بعد القرآن. وأعتقد أن الأحاديث كلها مأخوذة ومستنبطة من القرآن بالذات، ولذا لم أتقيد بالاستفادة بأحاديث وروايات وردت صريحة عن آية من آي القرآن بل استفدت من ذخيرة الأحاديث كلها ما أمكن لي، وبخاصة وجدت مساعدة في حل مسائل حكمة القرآن من الأحاديث مالم أجدها من أي شيء آخر. وإذا وجدت حديثًا مصادمًا مع القرآن توقفت فيه برهة ولم أتركها إلا في صورة وضحت لي أن تسلم هذا الحديث إما أن يؤدي إلى مخالفة القرآن، وإما أن يصادم أصلًا من أصول الدين. أما الأحاديث الصحيحة فقل إن لم تتوافق مع القرآن بأي وجه كان. لكن إذا واجهتني حالة كهذه رجحت القرآن على كل حال وقمت ببيان وجوه الترجيح بتفصيل" (تدبر القرآن:1/30)

الثالث أن ننظر دائمًا فيما رآه وقاله العلماء والمحققون في شرح وتفسير القرآن. لأن العلم والفن يتقدمان دومًا بالاستفادة من تحقيقات المتقدمين وأفكارهم وآرائهم ولا يمضيان قدمًا بغض النظر عنها. فالعلم الصحيح إنما يحصل بالتواضع وحب الحق الصادق لا بالتمرد والعتو. ولذا يجب على طالبي القرآن أن ينظروا نظرة في أمهات كتب التفسير في سبيل فهم وتفهيم القرآن وبناء رأي في آية من آياته.

وقبل العمل التفسيري الذي قام به أئمة المدرسة الفراهية في هذا الزمان كانت قد حصلت تلك المكانة الكبرى لتفاسير ثلاثة: جامع البيان لابن جرير الطبري، التفسير الكبير للرازي، والكشاف للزمخشري. فتجد أقوال السلف مجموعة في جامع البيان لابن جرير الطبري، ويوجد القيل والقال لعلم الكلام في التفسير الكبير للرازي، ويمكن الاطلاع على مسائل وقواعد النحو والأعراب في الكشاف. فهي التفاسير التي من أمهات هذا الفن. وعلى طالبي القرآن أن يقبلوا فقط قولًا تقبله الألفاظ القرآنية ونظمه، ولكن لا ينبغي صرف النظر والأعراض عن عمل هؤلاء المتقدمين في أي حال.