logo

الفضائل والرذائل

الفضائل والرذائل

لَا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ اِلٰـهًا اٰخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوْمًا مَّخْذُوْلًا وَقَضٰى رَبُّكَ اَلَّا تَعْبُدُوْٓا اِلَّآ اِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا ۭ اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ اَحَدُهُمَآ اَوْ كِلٰـهُمَا فَلَا تَـقُلْ لَّهُمَآ اُفٍّ وَّلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيْمًا  وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيٰنِيْ صَغِيْرًا  رَبُّكُمْ اَعْلَمُ بِمَا فِيْ نُفُوْسِكُمْ  ۭ اِنْ تَكُوْنُوْا صٰلِحِيْنَ فَاِنَّهٗ كَانَ لِلْاَوَّابِيْنَ غَفُوْرًا  وَاٰتِ ذَا الْقُرْبٰى حَقَّهٗ وَالْمِسْكِيْنَ وَابْنَ السَّبِيْلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيْرًا اِنَّ الْمُبَذِّرِيْنَ كَانُوْٓا اِخْوَانَ الشَّيٰطِيْنِ ۭ وَكَانَ الشَّيْطٰنُ لِرَبِّهٖ كَفُوْرًا وَاِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاۗءَ رَحْمَةٍ مِّنْ رَّبِّكَ تَرْجُوْهَا فَقُلْ لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُوْرًا   وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً اِلٰى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَـقْعُدَ مَلُوْمًا مَّحْسُوْرًا اِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَّشَاۗءُ وَيَــقْدِرُ ۭ اِنَّهٗ كَانَ بِعِبَادِهٖ خَبِيْرًۢا بَصِيْرًا وَلَا تَقْتُلُوْٓا اَوْلَادَكُمْ خَشْـيَةَ اِمْلَاقٍ ۭ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَاِيَّاكُمْ ۭ اِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْاً كَبِيْرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنٰٓى اِنَّهٗ كَانَ فَاحِشَةً  ۭ وَسَاۗءَ سَبِيْلًا  وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِيْ حَرَّمَ اللّٰهُ اِلَّا بِالْحَقِّۭ  وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهٖ سُلْطٰنًا فَلَا يُسْرِفْ فِّي الْقَتْلِ ۭ اِنَّهٗ كَانَ مَنْصُوْرًا وَلَا تَقْرَبُوْا مَالَ الْيَتِيْمِ اِلَّا بِالَّتِيْ ھِيَ اَحْسَنُ حَتّٰى يَبْلُغَ اَشُدَّهٗ  ۠وَاَوْفُوْا بِالْعَهْدِ ۚاِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْــــُٔـوْلًا وَاَوْفُوا الْكَيْلَ اِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوْا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَــقِيْمِ ۭ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَّاَحْسَنُ تَاْوِيْلًا وَلَا تَــقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهٖ عِلْمٌ  ۭ اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ اُولٰۗىِٕكَ كَانَ عَنْهُ مَسْــــُٔــوْلًا وَلَا تَمْشِ فِي الْاَرْضِ مَرَحًا  ۚ اِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْاَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُوْلًا  كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهٗ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوْهًا  ذٰلِكَ مِمَّآ اَوْحٰٓى اِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۭ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ اِلٰـهًا اٰخَرَ فَتُلْقٰى فِيْ جَهَنَّمَ مَلُوْمًا مَّدْحُوْرًا (بني إسرائيل:22-39)

والمبدأ البنيوي الذي جاء ذكره قبل ذلك فهذه الآيات التي سردناها آنفًا تشرح ذاك الإجمال ،ففيها قد تم توضيح وتفسير فضائل الأخلاق من رذائلها على طريقة متعينة. وإذا تدبرت رأيت أن سلسلة البيان قد شرعت من ممانعة الشرك وقد انتهت على توكيده أيضًا. ويختار القرآن هذا الأسلوب لإبانة وإبراز أهمية كبيرة لشيء ما. والمقصود هنا هو تذكير القارئ أن عقيدة التوحيد هي كأنها سور للأشياء التي ذكرت بين التوحيد والشرك. والمدينة تقوم بوجود التوحيد وإذا تخلله خلل تعرضت المدينة بأسرها للخطر، ولا شبهة أن التوحيد يحمل هذه المكانة لحكمة الله التي جاءت في هذه الآيات برمتها. والتوحيد هو من أكبر المقتضيات التي يتقاضاه العدل الذي أمر به القرآن. ولذا قد اصطلح القرآن للشرك بظلم عظيم (لقمان: 13) وقد صرح أيضًا ما ينتجه الشرك أن الله لن يغفر الشرك ومن يشرك بالله يلقى في جهنم ملومًا مدحورًا. فقال: اِنَّ اللّٰهَ لَا يَغْفِرُ اَنْ يُّشْرَكَ بِهٖ وَيَغْفِرُ مَا دُوْنَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَّشَاۗءُ  ۚوَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدِ افْتَرٰٓى اِثْمًا عَظِيْمًا (النساء: 48)

فما هو هذا الشرك؟ هو أن يجعل مع الله إلهًا آخر ويعني الاعتقاد بأن فلانًا له صلة قرابة بالله، وأن الله هو مرتبط به، أو يجعل لأحد حصة في الخلق مع الله، أو في تدبير الأمور ويجعل هكذا ندًّا لله بدرجة ما. ومثال الصورة الأولى عقيدة المسيحيين ومشركي العرب في سيدنا المسيح عليه السلام وفي سيدتنا مريم عليها السلام وعقيدتهم في الملائكة ويدخل فيه عقيدة وحدة الوجود الذي تمثله الأديان والمذاهب الصوفية. ومثال الصورة الثانية تصورات عن برهما ووشنو وشيفا عند الهندوس وتصورات غوث وأقطاب وأبدال وداتا (معطي) ومعطي الفقير (غريب نواز) وما إليها من العقائد الباطلة المحرفة عند المسلمين. وينبغي أن يفهم من هذا القبيل الاعتقاد في الأرواح الخبيثة وتصرفات الشياطين وتصرفات النجوم والكواكب. قال تعالى:قُلْ هُوَ اللّٰهُ اَحَدٌ  اَللّٰهُ الصَّمَدُ ۚلَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهٗ كُفُوًا اَحَدٌ(الإخلاص: 1-4) اِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِيْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ فِيْ سِتَّةِ اَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوٰى عَلَي الْعَرْشِ يُغْشِي الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهٗ حَثِيْثًا   ۙ وَّالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُوْمَ مُسَخَّرٰتٍۢ بِاَمْرِهٖ  ألَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْاَمْرُ تَبٰرَكَ اللّٰهُ رَبُّ الْعٰلَمِيْنَ (الأعراف: 54)

فالذين يعتقدون بهذه العقائد يعتقدون أيضًا أن هذه الشخصيات قد أعطاهم الله مقامًا، بحيث تطلع على الغيب إذا شاءت وتمكن من تحويل وتغيير ما أبرمه الله من قضاء في الدنيا والآخرة بشفاعتهم. وقد رد القرآن ردًّا عنيفًا هذين كليهما فقال: قُلْ لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ الْغَيْبَ اِلَّا اللّٰهُ  ۭ وَمَا يَشْعُرُوْنَ اَيَّانَ يُبْعَثُوْنَ (النمل:65)

وقال عن العقيدة الأخرى

قُلْ لِّلّٰهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيْعًا ۭ لَهٗ مُلْكُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ ۭ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُوْنَ (الزمر:44) وهؤلاء يقومون بصياغة أوهامهم إلى تصاوير وتماثيل، وقرر القرآن أنها نجاسة يجب التجنب منها. فقال: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْاَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوْا قَوْلَ الزُّوْرِ   (الحج: 30) ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذين يصنعون هذه الصور يُعذبون يوم القيامة. يقال لهم: أحيوا ما خلقتم وهذه التصاوير هي التي حظرها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحظر لا يمت بصلة إلى صور عامة. (رواه البخاري: رقم 5951)

وهذه النجاسة كامنة في التعاويذ والتولات المبينة على الاستمداد من تلك الشخصيات فقال: إن الرُّقى والتمائم والتولة شرك. رواه أحمد وأبو داود.

ولم يكتف بهذا بل وضع الحلف بغير الله أيضًا تحت هذا الممنوع المخطور، لأن من حلف بغير الله إنه يشهده على واقعة فكأنه هكذا يشركه بالله بكونه عالم الغيب ولذا قال: من حلف بغير الله فقد أشرك. (رواه أبو داود رقم 3251)

وفي هذا المضمار بعض التوجيهات الأخرى للمشركين تجدر بالذكر:

فقد ضرب الله مثلًا لامرئ جعل له جنتين من أعناب، وحففهما بنخل وجعل له بينهما زرعًا وفجر خلالهما نهرًا، فقال لصاحبه أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا. ودخل جنته وقال ما أظن أن تبيد هذه أبدًا وما أظن الساعة قائمة. ولئن قامت بفرض المحال لأجدن عند ربي خيرًا من كل ذلك. فأتت آفة من السماء على ما كان له من حدائق وأثمار وأنهار فخرّت على عروشها، فرجع إلى نفسه يلومه يا ويلي لِمَ أشركت بربي أحدًا. وقال الله مصورًا تلك الواقعة: وَاُحِيْطَ بِثَمَرِهٖ فَاَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلٰي مَآ اَنْفَقَ فِيْهَا وَھِيَ خَاوِيَةٌ عَلٰي عُرُوْشِهَا وَيَـقُوْلُ يٰلَيْتَنِيْ لَمْ اُشْرِكْ بِرَبِّيْٓ اَحَدًا(الكهف: 42)

والرياء أيضًا من هذا القبيل فإن الأمور المختصة بالله سبحانه أن تكون للآخرين فذلك يعني أنهم حلوا محل الله تعالى، وهذا هو الشرك وقد قال النبي فيما يرويه عن ربه تعالى. إن الله يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (رواه مسلم رقم:7475). فهذه هي حقيقة توهمات الإنسان، ولذا منع النبي صلى الله عليه وسلم الناس عنها،كما أنه قد نهى عن أشياء ليست في حد ذاتها شركًا، ولكنها توصل إلى الشرك، سداً للذريعة فقد روى ابن عباس أنه سقط نوء ذات ليلة فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم ماذا كنتم تقولون فيه في الجاهلية فقالوا إذا مات رجل كبير أو ولد سقط نوء فقال: لا تسقط أنواء بولادة أو موت أحد (رواه مسلم: 5819).

فعن زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت فقال: تعرفون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال: قال الله أصبح من عبادي مؤمن وكافر بي فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب (رواه البخاري رقم الحديث:846 ومسلم رقم 231)

ويقول ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتى عرافًا أو كاهنًا وصدقه لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا. رواه مسلم رقم 5821 وأحمد رقم 16202) (والعراف من يدعي الاطلاع على السارق).

قالت عائشة رضي الله عنها: سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهانة فقال: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة. (رواه البخاري رقم الحديث 7561 ومسلم رقم: 5817)

  وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (رواه البخاري رقم الحديث5757 ومسلم 5788 وهذا من أوهام الجاهلية التي كان الناس يعتقدونها) وروي عن جابر رضي الله عنه أنه زاد ولا غول رواه مسلم رقم الحديث: 5795)

وقال عمر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح عليه السلام إنما أنا عبدالله ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله.(رواه البخاري: 3445) وروي ابن عباس أن رجلًا قال في كلامه مع النبي صلى الله عليه وسلم: وما شاء الله وما شئت فرد عليه أن جعلتني ندًّا الله؟ لا، بل قل وما شاء الله وحده. (رواه أحمد رقم: 1965)

والأحكام التي جاءت في الآيات المذكورة أعلاه علاوة على الشرك وما يتصل به من التقاليد نفصلها في ما يلي: